إحاطة العلم الإلهي بمصائر العباد وتفويض الرحمة والعذاب للمشيئة وتحديد وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم:
يعلن الله تعالى لجميع الناس (مؤمنهم وكافرهم) أن ربهم وخالقهم هو الأعلم بحقائقهم وسرائرهم ومآلاتهم؛ إن يشأ هدايتكم ورحمتكم بالرجوع إلى التوحيد والتوبة رحمكم، وإن يشأ إبقاءكم على الكفر عذبكم بعدله وجزاءً لظلمكم؛ ثم يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم مسلياً ومحدداً لمهمته: وما أرسلناك عليهم حفيظاً موكلاً بإجبارهم على الإيمان، بل أرسلناك بشيراً ونذيراً ومبلغاً، والأمر كله مردود إلى الله ومشيئته.
تفسير الطبري (14/ 512)مصدر غير محدد١٤/٥١٢: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد وابن عباس: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ}: أيها الناس، يعلم من يستحق منكم الهداية والرحمة ومن يستحق الغواية والعذاب، {إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ}: فيوفقكم للإيمان والتوبة قبل الممات، {أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ}: فيميتكم على كفركم فيعذبكم في نار جهنم، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا}: لست بحفيظ عليهم تجبرهم على الإيمان ولا تطالب بهم إن كفروا؛ إن عليك إلا البلاغ وعلينا الحساب.
تفسير ابن كثير (5/ 62)مصدر غير محدد٥/٦٢: يوضح الحافظ ابن كثير أن الآية كقوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ}، وقوله: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}؛ فلا ينبغي للمؤمن أن يحكم على معين بجنة أو نار، بل يكل المصائر إلى علم الله ومشيئته، مع ملازمة الدعوة بالحكمة.
القرطبي (10/ 314)مصدر غير محدد١٠/٣١٤: يذكر القرطبي أن الوكيل هو القيم الموكل بالأمر الحفيظ عليه؛ وقد نسخت آية السيف بعض أحكام الموادعة، لكن حكم القلوب وباب الهداية بقي مفوضاً لمشيئة الله وحده لا يملكه نبي ولا ملك.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الوَكِيل: الموكول إليه تدبير الأمر والحفيظ الكفيل، من الوكالة وهو التفويض والحفظ.
{إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ}: جملة شرطية ثانية معطوفة على الأولى بإعرابها نفسه.
إعراب {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا}:
الواو حالية أو استئنافية، {مَا}: نافية.
{أَرْسَلْنَاكَ}: فعل ماض مبني على السكون و{نَا} فاعل والكاف مفعول به أول.
{عَلَيْهِمْ}: جار ومجرور متعلق بـ {وَكِيلًا} (أو بحال محذوفة).
{وَكِيلًا}: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة (أو مفعول به ثانٍ إذا عُدّي أرسل لمعنى صَيّر أو جعل).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تطبيق عملي لـ "التي هي أحسن" في الخطاب العقائدي: في الآية السابقة أمرهم بـ {يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، فجاءت هذه الآية مباشرة لتعلمهم نموذجاً رفيعاً لهذا الأدب؛ فبدلاً من أن يواجهوا المشركين بالقطع الحتمي بالعذاب أو التيئيس من التوبة، يقولون لهم: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ۖ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ}؛ فيفتحون لهم باب الرجاء ويذكرونهم بسعة علم الله ومشيئته.
التوازن القرآني بين الرحمة والعذاب: تقديم الرحمة {يَرْحَمْكُمْ} على العذاب {يُعَذِّبْكُمْ} ترغيباً لهم في الإنابة، وإشعاراً بأن رحمة الله سبقت غضبه.
تحديد المسؤولية وتخفيف العبء عن النبي صلى الله عليه وسلم: ختام الآية بـ {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} يحمي قلب الرسول والداعية من الحزن واليأس إذا لم يستجب المعاندون؛ فمهمتك البلاغ لا الإجبار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة القطع بمصائر الأفراد المعينين:
يتسرع بعض الغلاة في الحكم بالنار على فلان أو بالجنة لفلان بناء على ظواهر الأعمال في الدنيا!
التحرير السني القطعي ودفع التقول على الله:
مذهب أهل السنة والجماعة أننا لا نشهد لمعين بجنة ولا نار إلا بنص قاطع من القرآن أو السنة الصحيحة (كالعشرة المبشرين بالجنة، وكأبي لهب في النار)؛ أما سائر الخلق فنرجو للمحسن ونخاف على المسيء، ونكل السرائر والمآلات إلى علم الله المحيط ومشيئته: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ}؛ فكم من كافر أسلم قبل موته فختم له بالحسنى، وكم من عابد زل فختم له بالسوء؛ فلا يملك أحد مفاتيح الجنة والنار، والمشيئة الإلهية هي الحاكمة بالعدل والفضل.
إيثار الربوبية والإضافة بـ {رَّبُّكُمْ}: تذكير بالخالقية والتربية والإنعام؛ فالرب رحيم بخلقه يعلم خفايا طباعهم وما تستحقه نفوسهم.
أسلوب القصر الضمني بنفي الوكالة {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا}: إبراز لشرف مهمة الرسالة؛ فالنبي هادٍ ومبلغ ومعلم، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
الإشارة والتدبر: انشغل بإصلاح نفسك ونجاتها، ولا تنصب نفسك حكماً وموزعاً لرحمة الله وعذابه على العباد؛ فالله وحده هو الأعلم بالقلوب ومصائرها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تركيز الداعية على التبليغ والبيان، والتجرد من داء السيطرة ورغبة التحكم في استجابة الناس؛ فإن الهداية توفيق إلهي خالص.
التوجيه التربوي: تنمية أدب التواضع مع الله، وعدم الغرور بالعمل الصالح؛ والجمع دائماً بين الخوف والرجاء.
الأثر الوجداني: يرجف قلب المؤمن بين مشيئة الرحمة ومشيئة العذاب، فيتضرع إلى مولاه بلسان الانكسار: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، واشملني برحمتك التي وسعت كل شيء".