تضع هذه الآية الكريمة الدستور المعرفي والأخلاقي الأسمى للعقل البشري؛ فتنهى نهياً قاطعاً عن اتباع الظنون، والخرص، والشائعات، والشهادة بالباطل، أو القول بغير علم وبرهان في الدين والدنيا، وتعلن أن منافذ الإدراك الإنسانية الكبرى (السمع، والبصر، والقلب) مسؤولة بين يدي الله عما اكتسبته واستعملت فيه.
تفسير الطبري (14/ 470)مصدر غير محدد١٤/٤٧٠: يروي ابن جرير عن ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والحسن: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}: «أي لا تقل ما لا تعلم، ولا تقل: رأيتُ ولم ترَ، وسمعتُ ولم تسمع، وعلمتُ ولم تعلم»، ولا تتبع الظن ولا تقذف أحداً بريبة، وقيل: لا تقف أثر أحد بالسوء، {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}: يسأل الله العبد يوم القيامة: فيم استعملت سمعك؟ وفيم استعملت بصرك؟ وفيم عقدت فؤادك وقلبك؟ هل أصغيت لباطل؟ هل نظرت لحرام؟ هل نويت شراً؟
تفسير ابن كثير (5/ 51)مصدر غير محدد٥/٥١: يقرر الحافظ ابن كثير أن الآية تنهى عن القول بالظن الذي هو أكذب الحديث؛ مستشهداً بالحديث الصحيح: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ»، وبحديث: «مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَنْ يَفْعَلَ، وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ القِيَامَةِ».
القرطبي (10/ 285)مصدر غير محدد١٠/٢٨٥: يذكر القرطبي أن الآية أصل عظيم في حرمة الغيبة، والبهتان، وشهادة الزور، والحكم بالهوى دون تثبت، وإلزام القاضي والمفتي بالعلم القطعي أو الظن الراجح المستند إلى الأدلة الشرعية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
القَفْو: الاتباع والتتبع، قَفَا يَقْفُو قَفْواً إذا تَبِعَ أثره؛ ومنه القائف الذي يتتبع الآثار؛ والمعنى: لا تتبع ما لا علم لك بصحته وثبوته.
الفؤاد: القلب، وسُمي فؤاداً لتوقده وتفؤده وحركته السريعة من التَّفَؤُّد وهو التوقد.
أُولَٰئِكَ: اسم إشارة يستعمل في الغالب للعقلاء، واستعمل هنا لغير العقلاء (السمع والبصر والفؤاد) لتنزيلها منزلة العقلاء حيث جعلت مسؤولة تشهد وتجيب يوم القيامة كالعاقل.
إعراب {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}:
الواو عاطفة، {لا}: ناهية جازمة.
{تَقْفُ}: فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الواو)، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ {تَقْفُ}.
{لَيْسَ}: فعل ماض ناقص جامد.
{لَكَ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ليس مقدم.
{بِهِ}: متعلق بحال من علم أو بـ {عِلْمٌ}.
{عِلْمٌ}: اسم {لَيْسَ} مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، وجملة ليس واسمها وخبرها صلة الموصول لا محل لها.
{وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ}: معطوفان على السمع منصوبان.
{كُلُّ}: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة وهو مضاف.
{أُولَٰئِكَ}: اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر مضاف إليه.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص، واسمها مستتر تقديره هو.
{عَنْهُ}: جار ومجرور متعلق بـ {مَسْئُولًا}.
{مَسْئُولًا}: خبر {كَانَ} منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة كان في محل رفع خبر المبتدأ {كُلُّ}، وجملة المبتدأ وخبره في محل رفع خبر {إِنَّ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تأسيس المنهج العلمي والأخلاقي لحماية المجتمع: بعد أن نظمت الآيات السابقة سلوك الجوارح في الإنفاق، والعفة، والدماء، والأموال، جاءت هذه الآية لتضع الرقابة الصارمة على مصادر المعرفة الإنسانية ومسالك القول والاعتقاد؛ صيانة للأعراض والمجتمعات من سموم الإشاعات والاتهامات الباطلة.
ترتيب منافذ الإدراك بحسب التلقي:
{السَّمْعَ}: لتلقي الأخبار والأقوال.
{الْبَصَرَ}: لمشاهدة الأعيان والأفعال.
{الْفُؤَادَ}: لتمحيص المدركات وعقد النوايا والاعتقاد.
فإذا صلحت هذه المنافذ الثلاثة وانضبطت بالعلم استقام كيان الإنسان كله.
التذييل والتعليل المحكم: علل النهي بأن كل هذه الجوارح ستسأل يوم القيامة؛ مما يوقظ الوازع الديني في قلب المؤمن قبل أن يطلق كلمة أو يتهم بريئاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة شمول النهي للاجتهاد والظن الراجح في الأحكام القضائية والطبية:
قد يزعم جاهل أن الآية تحرم العمل بالظن الراجح في الطب أو في القضاء أو في الفتوى!
التحرير والتفريق العلمي الدقيق: الظن المنهي عنه هو التخرص، والوهم الكاذب، واتباع الهوى والشائعات بغير دليل؛ أما الظن الراجح المبني على الأمارات الطبية، أو البينات القضائية، أو القواعد الشرعية الاجتهادية، فهو علم عملي معتبر شرعاً وعقلاً؛ لأن الشريعة والعقل أوجبا العمل بغلبة الظن المستندة للأسباب المادية المعتبرة؛ فالمنهي عنه هو الخوض فيما لا أصل له من رجم بالغيب أو رمي للأبرياء بالتهم الجزافية.
استعمال اسم الإشارة للعقلاء {أُولَٰئِكَ} في حق الحواس: تشريف وتجسيد لهذه الأدوات المعرفية؛ كأنها شخوص واعية تشهد على صاحبها وتستجوب في محكمة العدل الإلهية.
حذف الواو في {تَقْفُ}: جزم بالسكون المقدر على الواو المحذوفة؛ يعطي جرساً صوتياً حاسماً يقطع دابر التردد في التثبت.
الإشارة والتدبر: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد؛ فاحبس لسانك عن أعراض الناس، وصن سمعك عن الغيبة والنميمة، وصن بصرك عن المحرمات، وصن فؤادك عن سوء الظن والحقد؛ فإنك موقوف ومسؤول.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: محاربة التضليل الإعلامي، وتربية الرأي العام على التثبت من الأخبار والتحقق من مصادرها قبل تداولها؛ لقوله تعالى في سورة الحجرات: {إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}.
التوجيه التربوي: تدريب الأبناء والطلاب على الأمانة العلمية، والنزاهة الفكرية، وعدم نقل الشائعات أو الحكم على الأشخاص بالظنون والتخمينات.
الأثر الوجداني: يرتعد وجدان المسلم مهابة من هول السؤال الأخروي، ويستحضر شهادة سمعه وبصره وقلبه عليه، فيلزم الصمت إلا عن خير وصدق.