الإنذار بإعادة المعرضين إلى البحر مرة أخرى والعذاب بالقاصف من الريح والغرق والانتقام العادل:
يواصل الحق سبحانه وتعالى تقريع المشركين؛ مبيناً طريقاً آخر لبطشه بهم إن أمنوا عذاب البر؛ أم أمنتم أيها المغرورون أن يضطركم قضاء الله وأسباب المعاش إلى ركوب البحر مرة ثانية، فيرسل عليكم ريحاً شديدة الهبوب تقصف صواري السفن وتكسر ألواحها (قاصفاً من الريح)، فيغرقكم في قعر البحر جزاءً وفاقاً على كفركم وجحودكم السابق بعد نجاتكم الأولى؛ ثم لا تجدوا لكم أحداً يتبعنا ويطالبنا بدمائكم أو ينتصر لكم منا؛ فالأمر كله لله الواحد القهار.
تفسير الطبري (14/ 548)مصدر غير محدد١٤/٥٤٨: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد وابن عباس والحسن: {أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ}: أي يضطركم إلى ركوب البحر مرة بعد مرة للتجارة والمكاسب، {فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ الرِّيحِ}: ريحاً شديدة تقصف كل شيء تمر به وتكسر السفن، {فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ}: بسبب جحودكم وكفركم بالله وإعراضكم بعد النجاة، {ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا}: قال ابن عباس ومجاهد: «ثائراً ولا طالباً ولا ناصراً يتبعنا بما صنعنا بكم ليدرك بثأركم كما يفعل أهل الدنيا»، وقال قتادة: «تبيعاً: أي طالباً يطلبنا بذحل ولا ترة».
تفسير ابن كثير (5/ 72)مصدر غير محدد٥/٧٢: يوضح الحافظ ابن كثير أن القاصف هي الريح التي تقصف الأشجار وتكسر الصواري وتهدم الأبنية؛ وأن الباء في {بِمَا كَفَرْتُمْ} باء السببية الدالة على تمام العدل الإلهي؛ فالعقاب بسبب الكفر والظلم؛ والتبيع هو المطالب بالثأر والحق؛ فمن ذا الذي يقدر على محاسبة الخالق أو منازعته في سلطانه؟!
القرطبي (10/ 339)مصدر غير محدد١٠/٣٣٩: يذكر القرطبي أن التبيع هو التابع المطالب بالحق من دية أو ثأر؛ والآية تدل على كمال ملك الله وانفراده بالتصرف؛ فلا يخشى معقباً لحكمه ولا يطالبه أحد بذنب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
القَاصِف: الريح الشديدة التي تقصف الأشياء أي تكسرها بعنف، من قَصَفَ الشيء إذا كسره كسر صوت شديد؛ وضدها الريح الطيبة اللينة (العاصف والقاصف).
التَّبِيع: التابع المطالب بالثأر أو الحق، فَعِيل بمعنى فاعل، من تَبِعَهُ إذا جرى وراءه طالباً حقاً أو ثأراً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إغلاق كل منافذ الهروب:
في الآية (67): نجوا إلى البر فأعرضوا.
في الآية (68): خوفهم من عذاب البر (خسف وحاصب).
في الآية (69): خوفهم من الرجوع إلى البحر والهلاك فيه بالقاصف والغرق.
فأطبق عليهم السياق الدائرة؛ فلا نجاة في البر ولا في البحر إلا بالتوحيد والاعتصام برضا الله.
العدالة المطلقة في التعليل: قوله {بِمَا كَفَرْتُمْ}؛ نص صريح على أن الغرق والهلاك لم يكن ظلماً ولا عبثاً، بل كان جزاءً عادلاً وفاقاً لكفرهم المتعمد ونكثهم للمواثيق الفطرية.
العظمة والجبروت في نفي {تَبِيعًا}: أسلوب يهز كيان المشرك؛ فلو هلك أعظم ملوك الأرض في ملكوت الله فلن يستطيع أحد من الإنس أو الجن أن يرفع طرفه للمطالبة بدمه؛ فالخالق لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا يعاقبهم الله بالغرق في المرة الثانية ولم يغرقهم في الأولى؟:
لماذا أنجاهم الله أول مرة وهو يعلم أنهم سيعرضون ويكفرون في البر؟!
الحكمة الإلهية في إقامة الحجة وإعطاء الفرصة:
النجاة الأولى كانت من باب الرحمة العامة وإظهار الحجة وإعطاء المهلة للرجوع والتوبة والاعتبار؛ فلما عاينوا آية البحر ثم عادوا إلى الشرك بكامل إرادتهم، سقط عذرهم بالكلية؛ فإذا كرروا الركوب وأعادهم الله إليه عاقبهم وهم مستحقون للعقوبة أشد الاستحقاق؛ وهذا هو كمال الحلم الذي يعقبه كمال العدل والانتقام.
الوصف بـ {قَاصِفًا}: جرس صوتي عنيف يجسد صوت تكسر الأخشاب والصواري وتطاير الألواح تحت وطأة الريح العاتية، مما يثير الرعب في النفوس.
الالتفات بضمير العظمة {عَلَيْنَا}: يفيد الجلال والكبرياء الإلهي المطلق؛ فمن يجرؤ أن يطالبنا أو يتعقب حكمنا وقضاءنا؟!
الإشارة والتدبر: كم نجاك الله من كربات ومضائق وأمراض أوشكت أن تهلكك، فلما كشف عنك الضر عدت إلى الغفلة والذنوب؛ فاحذر أن تعود إلى البحر وأنت محمل بالمعاصي؛ فإن لله غضبة قد لا يمهلك بعدها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تذكير المعاندين بأن نجاة الكافر في الدنيا ليست دليلاً على رضا الله عنه، بل هي إملاء واستدراج: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}.
التوجيه التربوي: تعظيم مقام الربوبية في النفوس، والاعتراف بأن الخلق كلهم عبيد في قبضة الله، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً.
الأثر الوجداني: يرتجف قلب المؤمن خيفة وتذللاً لله القاهر فوق عباده، ملهماً الاستغفار الدائم: "اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك".