عمى البصيرة في الدنيا وجزاؤه بالعمى والحيرة والضلال الأبدي في الآخرة:
يبين الحق سبحانه وتعالى قانون الجزاء العادل ومآل المكذبين؛ فمن كان في هذه الحياة الدنيا أعمى البصيرة عن رؤية براهين التوحيد ودلائل صدق النبوة والقرآن العظيم، مصراً على الغفلة والجهالة، فهو في الدار الآخرة أعمى عن طريق النجاة والجنة، محشوراً على وجهه أعمى البصر والبصيرة، وأشد حيرة وضلالاً وانسداداً للسبل عن الخلاص؛ لأن الآخرة دار انكشاف الحقائق وجزاء ما غُرِس في الدنيا.
تفسير الطبري (14/ 556)مصدر غير محدد١٤/٥٥٦: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن: {وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ}: أي من كان في هذه الدنيا أعمى القلب عن حجج الله وآلائه ونعمه التي رآها بعينيه، {فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ}: فهو في الآخرة أعمى عن حجته وعن طريق الجنة والنجاة، {وَأَضَلُّ سَبِيلًا}: أشد تيهاً وضلالاً؛ وقيل: يحشر يوم القيامة أعمى العين والقلب كما قال تعالى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا}، وقوله في طه: {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ}.
تفسير ابن كثير (5/ 74)مصدر غير محدد٥/٧٤: يقرر الحافظ ابن كثير أن العمى في الأولى عمى قلب وبصيرة، وفي الآخرة عمى حس ومعنى؛ فمن لم تبصره آيات القرآن والكون في الدنيا عوقب بالحرمان التام من نور النجاة في القيامة؛ وهو جزاء وفاق لعمله.
القرطبي (10/ 345)مصدر غير محدد١٠/٣٤٥: يذكر القرطبي القراءات في {أَعْمَىٰ}؛ قرأ الجمهور بفتح الميم فيهما، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وشعبة بإمالة الأولى والثانية أو إمالة الأولى فقط؛ وبيّن أن "أعمى" الأول صفة مشبهة لعمى القلب، والثاني يحتمل أن يكون أفعل تفضيل (أي أشد عمى) ولذلك عطف عليه {وَأَضَلُّ سَبِيلًا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
العَمَى: في الأصل ذهاب نور العين (عمى البصر)، ويستعار لذهاب نور القلب والبصيرة عن إدراك الحق والهدى؛ وعمي يعمى عمىً فهو أعمى.
أَضَلُّ سَبِيلًا: أشد ضياعاً وتيهاً عن مسلك النجاة والرشاد.
إعراب {وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ}:
الواو عاطفة، {مَن}: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ (أو موصولة).
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمها مستتر تقديره هو.
{فِي هَٰذِهِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من أعمى أو بـ {أَعْمَىٰ}، والإشارة تعود إلى (الدنيا أو النعم أو الحياة).
{أَعْمَىٰ}: خبر كان منصوب بفتحة مقدرة على الألف للتعذر.
{فِي الْآخِرَةِ}: جار ومجرور متعلق بـ {أَعْمَىٰ} أو بمحذوف حال.
{أَعْمَىٰ}: خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الألف (وهو اسم تفضيل أو صفة مشبهة).
{وَأَضَلُّ}: معطوف على {أَعْمَىٰ} مرفوع بالضمة الظاهرة.
{سَبِيلًا}: تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التامة مع أصحاب اليمين: لما بين نجاة من أوتي كتابه بيمينه وقراءته لكتابه بعدل، قابل ذلك بمصير أصحاب الشمال المعرضين؛ مبيناً أن عماهم في الآخرة هو الامتداد الطبيعي لعمى قلوبهم في الدنيا.
المشاكلة اللفظية بين عمى الدنيا وعمى الآخرة: استعمل لفظ {أَعْمَىٰ} في الموضعين لإبراز العلاقة السببية الحتمية بين السلوك الدنيوي والجزاء الأخروي؛ فكما أغمض عين قلبه عن نور الوحي أفقده الله نور الهداية والبصر غداً.
الارتقاء بصيغة التفضيل والعطف {وَأَضَلُّ سَبِيلًا}: لإشعار بأن حاله في الآخرة أشد هولاً وانقطاعاً من حاله في الدنيا؛ لأن الدنيا كان فيها مجال للتوبة وتدارك الأمر، أما الآخرة فقد انسدت فيها كل السبل وحقت كلمة العذاب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة شمول اللفظ لمن فقد بصره في الدنيا من الصالحين:
هل يدخل الأعمى فاقد البصر (كابن أم مكتوم والصالحين من المكفوفين) في هذا الوعيد الشديد؟!
التحرير الإجماعي الصريح:
الآية لا تتناول فاقد البصر الحسي بوجه من الوجوه؛ ففقد البصر في الدنيا ابتلاء مأجور عليه صاحبه بالجنة كما صح في الحديث القدسي: «إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الجَنَّةَ»؛ وإنما المراد بالإجماع هو "عمى البصيرة والقلب" عن معرفة الله والإيمان به؛ كما صرح القرآن في سورة الحج: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}؛ فلا تعارض ولا إشكال.
المجاز اللغوي في إطلاق العمى على الضلال: استعارة تصريحية؛ شبه الضال المحجوب عن الحق بالأعمى الذي يتخبط في الظلام بجامع العجز عن إدراك الأشياء، وحذف المشبه وصرح بالمشبه به.
التنكير في {سَبِيلًا}: يفيد العموم؛ أي أضل من كل طريق ومسلك للنجاة؛ فهو في تيه أبدي وعذاب سرمدي.
الإشارة والتدبر: البصر الحقيقي هو بصر القلب بالحق؛ فكم من مبصر العينين وهو أعمى القلب عن عظمة الخالق لا يرى في الكون إلا المادة؛ وكم من كفيف العينين يفيض قلبه بنور القرآن واليقين؛ فسل الله دائماً أن ينير بصيرتك وألا يجعلك من الغافلين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: مخاطبة مدارك العقل والقلب؛ فالداعية لا يكتفي بعرض الأدلة النظرية المجردة، بل يوقظ مشاعر البصيرة الحية في نفوس المدعوين ليروا الحق حقاً والباطل باطلاً.
التوجيه التربوي: تدريب النفس على التفكر الدائم في آيات الله المشهودة في الآفاق والأنفس؛ فإن إهمال التفكر يورث ران القلوب وقسوتها حتى ينتهي إلى العمى الكلي.
الأثر الوجداني: يرتجف قلب المؤمن خوفاً من سلب نور الإيمان والبصيرة، ملهماً الاستعاذة النبوية: "اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن يساري نوراً، واجعل لي نوراً".