القرآن العظيم بلسم القلوب وشفاء الصدور والرحمة للمؤمنين وخسار المعاندين الظالمين:
يخبر الله تبارك وتعالى عن عظمة هذا الكتاب المنزل؛ فهو شفاء عام لجميع أمراض القلوب (من الشك، والشبهات، والحسد، والغل، والنفاق، وقسوة القلوب)، وشفاء للأبدان بالرقية الشرعية والبركة والسكينة؛ وهو رحمة عظمى للمؤمنين لما يحصل لهم بتلاوته والعمل به من الهداية والنور وانشراح الصدر ونيل الدرجات العلى؛ بينما لا يزيد هذا القرآن العظيم أهل الظلم والشرك إلا حسرة، وخساراً، وعمى، ونفوراً، بسبب تكذيبهم به وعنادهم واستهزائهم بآياته.
تفسير الطبري (14/ 582)مصدر غير محدد١٤/٥٨٢: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد وابن عباس والحسن: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ}: يشفي الله به من الضلالة والجهالة والعمى والشكوك ويداوي به أهواء النفوس؛ وشفاء للأبدان بالرقية؛ {وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}: يرحمهم الله به بما فيه من التثبيت والهدى والثواب العظيم؛ {وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا}: قال قتادة: «إذا سمعه الكافر عاداه وأنكره وتكلف رده فزاده الله به خساراً؛ فما جالس هذا القرآنَ أحدٌ إلا قام عنه بزيادة أو نقصان؛ زيادة للمؤمن ونقصان للكافر؛ وقرأ: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى}».
تفسير ابن كثير (5/ 81)مصدر غير محدد٥/٨١: يقرر الحافظ ابن كثير أن {مِنْ} في قوله {مِنَ الْقُرْآنِ} لبيان الجنس وليست للتبعيض؛ فالقرآن كله من فاتحته إلى خاتمته شفاء ورحمة؛ ويستشهد بأحاديث رقية الفاتحة والمعوذتين وشفاء اللديغ؛ مؤكداً أن القرآن يطهر القلوب من رجس الشرك كما يطهر الأبدان من الأسقام.
القرطبي (10/ 365)مصدر غير محدد١٠/٣٦٥: يوضح القرطبي أن القرآن شفاء عقائدي وأخلاقي وسلوكي وجسدي؛ وأن كونه خساراً على الظالمين ناتج عن كفرهم واستهزائهم؛ فكلما نزلت آية فكفروا بها زادهم الله عذاباً ورجساً إلى رجسهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الشِّفَاء: البرء من المرض والعلل حسية كانت أو معنوية، شَفَاهُ الله يَشْفِيهِ شِفَاءً.
{يَزِيدُ}: مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو (يعود على القرآن أو التنزيل).
{الظَّالِمِينَ}: مفعول به أول منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
{إِلَّا}: أداة حصر.
{خَسَارًا}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الامتداد النوراني لمجيء الحق: لما أعلن في الآية السابقة {جَاءَ الْحَقُّ}، بيّن هنا جوهر هذا الحق ومضمونه وهو القرآن العظيم؛ وما يحمله للبشرية من الشفاء والرحمة لمن استقبله بالإيمان.
المقابلة البديعة بين أثر القرآن على الفريقين:
على المؤمنين: {شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ}.
على الظالمين: {إِلَّا خَسَارًا}.
فأوضح أن القرآن كالغيث النازل؛ تسعد به الأرض الطيبة وتتعفن به السبخة الخبيثة؛ فالمؤمن يزداد به إيماناً، والكافر يزداد به كفراً وحسرة.
التمهيد لكشف تقلبات النفس البشرية في الآية اللاحقة: مهد هذا التقسيم لعرض طبيعة الإنسان الجاحد عند النعمة والضر في قوله: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة معنى "من" في {مِنَ الْقُرْآنِ} وهل تفيد التبعيض؟:
قد يتوهم واهم أن "من" تبعيضية تعني أن بعض آيات القرآن شفاء وبعضها الآخر ليس شفاء!
التحرير اللغوي والتفسيري المجمع عليه:
"من" هنا لـ "بيان الجنس" وليست للتبعيض؛ كقوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ}؛ فليس المعنى اجتنبوا بعض الأوثان واتركوا بعضها، بل اجتنبوا جنس الأوثان كله؛ فكذلك قوله: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ}؛ أي ننزل من هذا الجنس العظيم الذي هو القرآن ما هو كله شفاء ورحمة؛ فالقرآن بأسره شفاء للصدور ونور للقلوب بلا استثناء لحرف منه.
التنكير في {شِفَاءٌ} و{رَحْمَةٌ}: للتفخيم والتعظيم والشمول؛ شفاء مطلق لا يترك داءً إلا استأصله، ورحمة واسعة لا يحدها حد.
أسلوب الحصر بـ {لَا... إِلَّا خَسَارًا}: قصر دقيق لحال الظالم؛ فإنه محروم من كل وجوه الانتفاع بالقرآن؛ فكلما سمع آية وتدبرها زاد كفراً واستهزاءً فزاد حسرة وعذاباً؛ نعوذ بالله من الخذلان.
الإشارة والتدبر: القرآن صيدلية الروح وطب القلوب؛ فإذا شعرت بضيق في صدرك، أو حيرة في عقلك، أو قسوة في قلبك، فهرع إلى كتاب ربك وتدبر آياته؛ ففيه الشفاء التام لكل داء؛ وما اشتكى أحد إلى القرآن إلا وجد عنده دوائه وعافيته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تقديم القرآن للعالم بوصفه مشروع شفاء حضاري وروحي واجتماعي ينقذ الإنسانية من أوبئة الإلحاد والقلق والاكتئاب والظلم الاجتماعي.
التوجيه التربوي: تدريب المسلمين على الاستشفاء بالقرآن تلاوة وتدبراً ورقيا شرعية؛ وتطهير البيوت به من وساوس الشياطين.