بعد أن استعرض الله العقوبتين الرادعتين لإفسادي بني إسرائيل، فتح أمامهم باب الرجاء في رحمته إن هم تابوا وأصلحوا، ثم قرر القانون التاريخي والأخروي الدائم: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا}؛ أي إن عدتم إلى الإفساد والطغيان عدنا عليكم بالنكال والعذاب في الدنيا، وجعلنا جهنم في الآخرة للكافرين سجناً ومستقراً ومحيطاً لا مفر لهم منه.
تفسير الطبري (14/ 409)مصدر غير محدد١٤/٤٠٩: يروي الطبري عن قتادة: يقول الله لبني إسرائيل: عسى ربكم أن يرحمكم من بعد تتبير عدوكم إن أنتم تبتم وأطعتم، ثم قال: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا}؛ فعاد القوم إلى أسوأ ما كانوا عليه من تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم ونقض العهود ومظاهرة المشركين، فعاد الله عليهم بالنكال؛ فسلّط عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، وأجلاهم من جزيرة العرب (بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، وأهل خيبر).
تفسير ابن كثير (5/ 29)مصدر غير محدد٥/٢٩: يقرر ابن كثير أن الآية تلخص المعادلة السننية الكبرى؛ فالرحمة معلقة بالتوبة والاستقامة، ومقابلة الإفساد بالانتقام سنة مستمرة إلى يوم القيامة، ثم العذاب الأبدي المقيم في نار جهنم التي تحصرهم حصراً فلا يستطيعون الخروج منها أبداً.
القرطبي (10/ 229)مصدر غير محدد١٠/٢٢٩: يذكر القرطبي أن الحصير في كلام العرب له معانٍ متعددة: منها السجن والمحبس، ومنه قول الشاعر: «وقد حصرتْ فما تكادُ تريمُ»، ومنها الفراش والبساط المحصور الذي يحيط بهم من كل جانب، ومنها الملك لحصره الناس عن الوصول إليه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
عسى: فعل جامد من أفعال الرجاء، ورجاء الله في القرآن محقق واجب الوقوع إن تحققت شروطه؛ لأن الكريم إذا أطمع في الخير أنفذه.
الحصير: فَعِيل بمعنى مَفْعُول أو فَاعِل:
سجن ومحبس يحصر من فيه ويمنعه من الخروج، من الحَصْر وهو التضييق والمنع.
فراش وبساط يفرش لهم ليجلسوا عليه كالحصير المنسوج؛ كقوله تعالى: {لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ}.
حاصر يحيط بهم من كل جانب.
إعراب {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ}:
{عَسَىٰ}: فعل ماضٍ ناقص جامد يفيد الرجاء مبني على فتح مقدر على الألف.
{عُدتُّمْ}: فعل ماض مبني في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل.
{عُدْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والجملة لا محل لها جواب الشرط.
الواو عاطفة، {جَعَلْنَا}: فعل ماض وفاعله نا ينصب مفعولين.
{جَهَنَّمَ}: مفعول به أول منصوب بالفتحة ومنع من الصرف للعلمية والتأنيث.
{لِلْكَافِرِينَ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من حصير أو بـ {جَعَلْنَا}.
{حَصِيرًا}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إيجاز القوانين الإلهية في ثلاث كلمات: قوله تعالى: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} من أبدع جوامع الكلم في القرآن العظيم؛ ثلاث كلمات اشتملت على قانون التاريخ البشري كله؛ شرط وجواب يربطان السبب بالنتيجة إلى أبد الآبدين؛ فكلما تكرر الإفساد تكررت العقوبة.
المقابلة بين الرجاء والوعيد الصارم: بدأت الآية بتطميعهم في الرحمة {عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ}؛ لئلا ييأسوا من روح الله، ثم أعقبت بالحسم القاطع {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا}؛ لئلا يغتروا بإمهال الله لهم.
الجمع بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة: ذكر عقوبة الدنيا بالسلطان والانتقام {عُدْنَا}، ثم ختم ببيان عذاب الآخرة المحتوم بجهنم {حَصِيرًا}؛ ليعلم الكافر أنه محاصر في الدارين لا مهرب له.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة شمول الحكم وسريانه على بني إسرائيل إلى يوم القيامة:
هل قوله {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} خاص ببني إسرائيل أم هو قاعدة عامة في كل الأمم؟
التحرير والتأصيل السنني: اللفظ خوطب به بنو إسرائيل ابتداءً وهو حجة عليهم؛ فكلما عادوا للإفساد سلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب؛ كما قال تعالى في سورة الأعراف: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ}. ولكنه في الوقت عينه قانون كوني عام يسري على أمة الإسلام وعلى سائر الحضارات؛ فمن سار في طريق الإفساد والكبر لاقى نفس المصير، وسنن الله لا تحابي قوماً ولا تجامل نسباً.
أسلوب الإيجاز البليغ في {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا}: حذف مفعول عدتم ومفعول عدنا؛ أي إن عدتم إلى الإفساد والبغي والتكذيب عدنا إلى العقاب والتتبير والإذلال؛ وحذف المفعول يفيد الإطلاق والعموم والتهويل.
التنكير في {حَصِيرًا}: للتعظيم؛ أي سجناً مهولاً لا فكاك منه، أو غطاءً محيطاً بالكافرين كالحصير الذي لا يغادر من الجسد شيئاً إلا لفه.
الإشارة والتدبر: الرحمة الإلهية مشرعة الأبواب لكل نادم، ولكن استمراء الغي يحول النعمة إلى نقمة؛ فاحذر أن تكرر المعصية بعد أن نجاك الله من عواقبها الأولى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ربط الأحداث السياسية والاجتماعية بالعقيدة والأخلاق؛ فالعدوان الإسرائيلي والفساد في الأرض تحكمه آية {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا}، وواجب الأمة أن تعد العدة الإيمانية والمادية لتكون هي اليد الإلهية التي تعاقب المفسدين.
التوجيه التربوي: غرس الحذر في النفوس من العودة إلى الذنوب بعد التوبة؛ فإن الانتكاسة بعد الاستقامة أشد خطراً وأعظم عقوبة.
الأثر الوجداني: يمتلئ قلب المسلم هيبة من عدل الله وبطشه بالظالمين، ورجاءً في رحمته التي تسع التائبين، ويستعيذ بالله من عذاب جهنم وسجنها المحيط.