القضاء الحتمي والإخبار الغيبي بإفساد وعلو بني إسرائيل:
يخبر الله جل وعلا نبيه والمؤمنين بما أوحاه وأحكمه وأنزله على بني إسرائيل في التوراة؛ نبوءة حتمية وقضاءً مبرماً بأنهم سيفسدون في الأرض المقدسة مرتين اثنتين بمخالفة أمر الله، وبغيهم، وظلمهم، وقتلهم الأنبياء، وسيعلون علواً كبيراً بالاستكبار والبطش والعتو.
تفسير الطبري (14/ 399)مصدر غير محدد١٤/٣٩٩: يروي الطبري عن ابن عباس وقتادة والسدي ومجاهد: معنى {قَضَيْنَا إِلَيْهِمْ}: أخبرناهم وأعلمناهم وفصلنا لهم في التوراة بالوحي القاطع، {لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ}: الأرض هنا هي أرض الشام وبيت المقدس، والمرتان إفسادان عظيمان يتخللهما علو واستكبار وتجبر عن طاعة الله.
تفسير ابن كثير (5/ 25)مصدر غير محدد٥/٢٥: يوضح الحافظ ابن كثير أن هذا القضاء قضاء قدري كوني أخبرهم الله به سلفاً في كتابهم، ليكون حجة عليهم وشهادة على صدق نبوءات الوحي، وأن إفسادهم كان بتبديل أحكام الله، واستحلال المحرمات، وقتل أنبياء الله كيحيى وزكريا عليهم السلام، والتكبر على عباد الله.
القرطبي (10/ 220)مصدر غير محدد١٠/٢٢٠: يذكر القرطبي أن القضاء هنا بمعنى الإخبار والإنفاذ الحتمي كقوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَٰلِكَ الْأَمْرَ}، وأن العلو هو الطغيان والتجبر والظلم الشديد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
القضاء: يستعمل في القرآن على وجوه؛ منها: الحكم والإلزام، والخلق والتقدير، والإتمام والفراغ، والإخبار والوحي، وهو المراد هنا؛ أي أعلمناهم وأوحينا إليهم قضاءً مبتوتاً مفروغاً منه.
تعدية القضاء بـ (إلى): ضُمِّنَ فعل {قَضَيْنَا} معنى (أوحينا) أو (أنهينا)، فلذلك عُدِّيَ بإلى؛ لأن القضاء في الأصل يتعدى بنفسه.
العلو: الاستكبار والطغيان والتجبر، وأصله الارتفاع، فاستعير للترفع الباطل على الخلق وعلى أوامر الخالق.
اللام واقعة في جواب قسم محذوف تقديره (والله لتفسدن).
{تُفْسِدُنَّ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل، والنون المشددة نون التوكيد الثقيلة حرف لا محل له من الإعراب، والجملة لا محل لها جواب القسم، والقسم وجوابه ساد مسد مفعول قضينا أو تفسير له.
{فِي الْأَرْضِ}: جار ومجرور متعلق بـ {تُفْسِدُنَّ}.
{مَرَّتَيْنِ}: نائب عن المفعول المطلق منصوب بالياء لأنه مثنى.
{كَبِيرًا}: نعت لـ {عُلُوًّا} منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البدء بالقضاء الإلهي الكاشف لطبيعة القوم: بعد أن نبههم على كتاب موسى ونعمة النجاة مع نوح، كشف الله هنا عن الحقيقة التاريخية والسننية لطبيعة بني إسرائيل؛ فبين أنهم أمة لن تستقيم على منهج الشكر طويلاً، بل سينحرفون نحو الإفساد والعلو؛ تمهيداً لبيان سنة التداول وسلب الأمانة وسقوط خلافتهم في الأرض المباركة.
توصيف العلو بالكبير: {عُلُوًّا كَبِيرًا} للدلالة على فظاعة تجبرهم وغطرستهم التي تبلغ غاية لا تحتمل، وتستوجب النكال الصارم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الجبر في قوله {وَقَضَيْنَا} ودعوى تبرير إفسادهم بالقدر:
قد يزعم من يتبع المتشابه أن الله قضى عليهم الإفساد فكانوا مجبرين عليه ولا لوم عليهم!
البرهان والرد السني الحاسم: القضاء هنا هو قضاء علم وإخبار غيبي مسبق لما سيقترفونه بمحض إرادتهم واختيارهم الحر؛ كإخبار الطبيب الحاذق بموت المريض المستهتر بالدواء، فعلم الله وكتابته في اللوح المحفوظ وفي التوراة كاشفان لأفعالهم وليسا مجبرين لهم عليها؛ فالفساد والعلو فعلوهما بكسبهم وشهواتهم، واستحقوا العقاب بعدل الله وحكمته.
المفعول المطلق الموصوف {عُلُوًّا كَبِيرًا}: تأكيد للفعل وبيان لصفته المهولة؛ وهو تصوير للاستكبار المنقطع النظير الذي يجعل المتكبر يرى نفسه فوق الشرائع والحدود الإنسانية.
تضمين {قَضَيْنَا} معنى أوحينا: للدلالة على أن هذا الإخبار كان وحياً مقطوعاً به مبلَّغاً لهم لا مجال لإنكاره.
الإشارة والتدبر: الاستكبار والعلو في الأرض هو أسرع الطرق إلى السقوط؛ وسنن الله في الأمم والدول لا تحابي أحداً؛ فكلما ازداد عتو الظالمين اقترب موعد هلاكهم وتبديد علوهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: فهم سنن التاريخ وصراع الحق والباطل في بيت المقدس وأكنافه؛ واليقين بأن الإفساد والعلو مهما بلغ ذروته فإن سنة الله القاطعة ماضية في إنهائه وتدميره.
التوجيه التربوي: التحذير الشديد من الغرور بالتمكين أو المال أو السلاح؛ فالقوة إذا جردت من مخافة الله والعدل تحولت إلى علو واستكبار يستجلب العقاب العاجل.
الأثر الوجداني: يمتلئ قلب المسلم ثقة ويقيناً بنبوءات القرآن الكريم وصدق أنبائه، ويستبشر بأن وعد الله نافذ لا راد لقضائه.