ينهى الله سبحانه عن جريمة جاهلية شنيعة؛ وهي قتل الآباء لأولادهم ووأدهم للبنات خشية الفقر والفاقة المتوقعة في المستقبل؛ مؤكداً أنه جل وعلا هو المتكفل برزق هؤلاء الصغار كما يرزق آباءهم، وأن الإقدام على إزهاق أرواحهم ذنب عظيم وخطيئة جسيمة توجب غضب الله ونكاله.
تفسير الطبري (14/ 459)مصدر غير محدد١٤/٤٥٩: يروي الطبري عن ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والحسن: كان أهل الجاهلية يئدون بناتهم وربما قتلوا بنيهم مخافة أن يفتقروا أو يأكلوا معهم طعامهم، فنهاهم الله عن ذلك، وأخبرهم أنه هو الذي يرزق الأولاد ويرزق الآباء، فلا يضيق رزق أحد بسبب غيره، وقرر أن قتلهم إثم عظيم وجرم فادح.
تفسير ابن كثير (5/ 48)مصدر غير محدد٥/٤٨: يقارن الحافظ ابن كثير بين هذه الآية وآية سورة الأنعام: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}؛ ففي الأنعام كان الفقر واقعاً حاضراً بالآباء، فناسب تقديم رزق الآباء {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}؛ أما هنا فالفقر ليس حاصلاً، وإنما خافوا حصوله مستقبلاً {خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ}، فناسب تقديم رزق الأولاد {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ}؛ إشعاراً بأنهم يأتون ورزقهم معهم مقدر لا ينقص من رزق آبائهم شيئاً.
القرطبي (10/ 272)مصدر غير محدد١٠/٢٧٢: يذكر القرطبي القراءات في {خِطْئًا}؛ ومنها كسر الخاء وسكون الطاء ممدوداً ومقصوراً، وفتح الخاء والطاء، ومعناها الذنب والإثم العظيم المردي لصاحبه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإملاق: الفقر والفاقة وعدم القوت، يقال: أَمْلَقَ الرجلُ إذا افتقر ونفد ماله، وأصل المَلَق هو الملاسة؛ فالمملق كأنه صخرة ملست من كل نبات ومال.
الخِطْء: الإثم والذنب العظيم المتعمد، بكسر الخاء وسكون الطاء، بخلاف الخَطَأ بالفتح الذي هو ضد الصواب ويقع عن غير قصد؛ فالخطء هنا مقصود معتمد شنيع.
{وَإِيَّاكُمْ}: الواو عاطفة، {إِيَّاكُمْ} ضمير منفصل مبني في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب في نرزقهم، والجملة مستأنفة تعليلية لا محل لها.
إعراب {إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا}:
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{قَتْلَهُمْ}: اسم {إِنَّ} منصوب وهو مصدر مضاف إلى مفعوله، وهم مضاف إليه.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص، واسمها مستتر تقديره هو.
{خِطْئًا}: خبر {كَانَ} منصوب بالفتحة الظاهرة.
{كَبِيرًا}: نعت لـ {خِطْئًا} منصوب بالفتحة، وجملة كان في محل رفع خبر {إِنَّ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الربط بين بسط الرزق وحماية النسل: لما قررت الآية السابقة أن الله هو المتفرد ببسط الرزق وقدره، نهى هنا عن القتل المترتب على الخوف من ضيق الرزق؛ ليعلم الآباء أن رزق الأولاد ليس على عاتقهم استقلالاً، بل على الرزاق ذي القوة المتين.
الفرق النظمي المعجز بين موضعي الأنعام والإسراء:
في الأنعام: {مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}: فقر قائم بالآباء فبدأ بالآباء تطميناً لهم.
في الإسراء: {خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ}: فقر متوقع بسبب قدوم الأولاد فبدأ بالأولاد لبيان أنهم لا يضيقون عليكم بل رزقهم مضمون مع رزقكم.
التوكيد بالجملة الاسمية وإن: {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ} تقديم المسند إليه لتقوية الحكم وحصر التكفل بالرزق في الله وحده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
يعتمد بعض مروجي الإجهاض والحد من النسل في المجتمعات المعاصرة على الخوف من الأزمات الاقتصادية وتكاليف المعيشة للتخلص من الأجنة.
البرهان والرد القرآني الحاسم: الآية قاعدة قاطعة في تحريم قتل الأجنة أو وأد الأولاد لعلة الفقر والضائقة المالية؛ فالجنين نفس معصومة نفخ فيها الروح، والرزق مكفول بأمر الله؛ والواجب على المجتمعات والدول الأخذ بأسباب التنمية العادلة وتوزيع الثروات والاعتماد على الله، لا الهروب بقتل الأنفس البريئة؛ فالقتل اعتداء وحشي يفكك البنية الأخلاقية للمجتمع.
التعبير بـ {خِطْئًا كَبِيرًا}: وصف الذنب بالكبير مع تنكيره لتهويل الجريمة؛ لأن قتل الوالد لولده يجمع بين جريمة القتل، وانتهاك الرحمة الفطرية، وعقوق الأمانة، وسوء الظن بالله الرزاق.
ضمير الفصل والتوكيد في {نَّحْنُ}: لردع الآباء عن التوهم بأنهم هم الرازقون لأولادهم، وتذكيرهم بأنهم هم أنفسهم عالة على رزق الله.
الإشارة والتدبر: كم من طفل ولد فقيراً ففتح الله بمقدمه أبواب الرزق والبركة على أهله ومجتمعه! فالأطفال جند الله وعمارة الأرض، والتوكل على الله يذهب وساوس الفقر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: الدفاع عن حق الحياة للأطفال والأجنة، وبيان رحمة التشريع الإسلامي الذي حمى الضعفاء وحرم وأد البنات وجرائم التخلص من النسل.
التوجيه التربوي: غرس الثقة بالرزاق في قلوب الآباء والأمهات؛ فلا يحملهم الخوف من المستقبل على التردد في الإنجاب أو التقصير في رعاية الأبناء.
الأثر الوجداني: يفيض وجدان المؤمن طمأنينة ويقيناً بأن الله لا يضيع عبداً خلقه، ويلهج بالثناء على الله الذي تكفل بأرزاق الدواب والصغار في ظلمات الأرحام.