يخبر الله سبحانه أنه بعد أن ذكر إسراء عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، عطف بذكر كليمه موسى عليه السلام وما آتاه من التوراة لهداية بني إسرائيل، مبيناً أن جوهر تلك الرسالات ورأس أوامرها هو إخلاص التوكل والعبادة لله وحده لا شريك له.
تفسير الطبري (14/ 395)مصدر غير محدد١٤/٣٩٥: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد: وآتينا موسى التوراة وجعلنا ذلك الكتاب هدى ونوراً لبني إسرائيل يرشدهم إلى الحق ويبين لهم معالم الدين، وأمرناهم في ذلك الكتاب ألا يتخذوا رباً ولا إلهاً ولا حفيظاً كافياً يلي أمورهم يتوكلون عليه سوى الله الواحد القهار.
تفسير ابن كثير (5/ 23)مصدر غير محدد٥/٢٣: يوضح الحافظ ابن كثير مناسبة ذكر موسى عليه السلام بعد محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإن الله تعالى كثيراً ما يقرن بين ذكري هذين الرسولين العظيمين، وبين التوراة والقرآن؛ لأنهما أشرف الرسل وأشرف الكتب، كما قال تعالى في سورة الأنعام والقصص والسجدة، وأصل الشريعتين قائم على نبذ الشرك وإفراد الله بالوكالة والاعتماد.
القرطبي (10/ 216)مصدر غير محدد١٠/٢١٦: يذكر القرطبي أن الوكيل هو المفوض إليه تدبير الأمور، والكافي الحافظ، فنهوا عن تفويض أمورهم إلى مخلوق أو الاعتماد على الأسباب دون مسببها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الوكيل: الحفيظ الكفيل، المفوض إليه الأمر المعتمد عليه في جلب المصالح ودفع المضار، فعيل بمعنى مفعول من الوكالة والتفويض.
القراءات في {أَلَّا تَتَّخِذُوا}:
قراءة الجمهور (حفص، عاصم، نافع، ابن كثير، ابن عامر، الكسائي، حمزة في رواية): {أَلَّا تَتَّخِذُوا} بتاء الخطاب، على الالتفات ومخاطبة بني إسرائيل بطريق القول المضمر.
قراءة أبي عمرو، وحمزة في المشهور عنه: {أَلَّا يَتَّخِذُوا} بياء الغيبة، مراعاة لظاهر لفظ {لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ}.
الواو عاطفة، {آتَيْنَا}: فعل ماضٍ مبني على السكون، و(نا) ضمير متصل فاعل.
{مُوسَى}: مفعول به أول منصوب بفتحة مقدرة على الألف للتعذر منع من الصرف للعلمية والعجمة.
{الْكِتَابَ}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَجَعَلْنَاهُ}: الواو عاطفة، {جَعَلْنَا}: فعل ماض وفاعله نا، والهاء مفعول به أول يعود على الكتاب.
{هُدًى}: مفعول به ثانٍ لـ {جَعَلَ} منصوب بفتحة مقدرة على الألف المحذوفة لفظاً المنونة.
{لِّبَنِي}: اللام حرف جر، {بَنِي}: اسم مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم وهو مضاف.
{إِسْرَائِيلَ}: مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف نعت لـ {هُدًى} أو بـ {هُدًى}.
إعراب {أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا}:
{أَلَّا}: {أَنْ} مفسرة بمعنى (أي) لا محل لها من الإعراب لتضمن الإيتاء والجعل معنى القول، أو مصدرية والمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف (بألا تتخذوا).
{لا}: ناهية جازمة (إذا كانت أن مفسرة)، أو نافية (إذا كانت أن مصدرية).
{تَتَّخِذُوا}: فعل مضارع مجزوم بحذف النون (أو منصوب بأن)، والواو فاعل.
{مِن دُونِي}: جار ومجرور ومضاف إليه في محل نصب مفعول به ثانٍ مقدم لـ {تَتَّخِذُوا}.
{وَكِيلًا}: مفعول به أول مؤخر منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتباط بالإسراء ونقل القيادة الحضارية: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى والتقى بالأنبياء وصلى بهم، ذكر هنا التوراة وموسى وبني إسرائيل؛ تمهيداً لبيان تاريخ بني إسرائيل في بيت المقدس، وتنكيس رايتهم بعد إفسادهم وعلوهم، ليعلم أن وراثة القدس والمسجد الأقصى انتقلت بالحق الإلهي إلى الرسالة المحمدية وأتباعها.
التناسق بين الكتابين: قرن بين كتاب موسى في هذه الآية وكتاب محمد في قوله الآتي: {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}؛ للتأكيد على وحدة المصدر والغاية في هداية البشر.
الالتفات في {مِن دُونِي}: بعد أن تكلم بضمير العظمة {آتَيْنَا} و{جَعَلْنَاهُ}، جاء قوله {مِن دُونِي} بضمير التكلم المفرد لإضفاء مزيد من الجلالة والمهابة على التوحيد، ولقطع كل التفات لغير الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة المفارقة بين حكاية الإسراء وانتقال السياق إلى قصة موسى:
قد يظن القارئ المتعجل انقطاعاً في السياق بين آية الإسراء إلى المسجد الأقصى وبين قوله: {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ}.
البيان والتحقيق النظمي البديع: بيت المقدس هو مهبط رسالات بني إسرائيل ومقر ملك داود وسليمان ومحراب زكريا وعيسى، فكان وصول النبي صلى الله عليه وسلم إليه إعلاناً بوراثة هذه النبوات؛ فناسب تماماً أن يستعرض القرآن تاريخ القوم الذين استخلفوا في تلك البقعة المباركة، وكيف استجابوا لكتابهم، تمهيداً لمحاكمتهم التاريخية وبيان زوال دولتهم لإفسادهم في الأرض.
التنكير في {هُدًى} و{وَكِيلًا}: تنكير الهدى للتعظيم والرفعة، وتنكير الوكيل في سياق النهي للعموم والشمول؛ أي لا تتخذوا أي وكيل أو حفيظ كائناً من كان سوى الله.
تقديم الجار والمجرور {مِن دُونِي}: للاهتمام بالمنهي عنه وهو الإشراك في التوكل والاعتماد على المخلوقين.
الإشارة والتدبر: كل كتاب سماوي لا يقود قارئه إلى إخلاص التوكل على الله وإفراده بالعبادة هو كتاب لم يفقه مقصده؛ فالتوحيد هو روح الهداية وعمادها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: التأكيد على وحدة رسالات الأنبياء؛ فالمسلمون هم أولى الناس بموسى وعيسى وجميع الأنبياء؛ لأنهم حفظوا جوهر التوحيد الذي نادت به كتبهم وطهروا الأرض من الشرك.
التوجيه التربوي: تربية القلوب على التوكل المحض على الله تعالى وتفويض الأمور إليه، والتحذير من الركون إلى الأسباب المادية مع الغفلة عن مسبب الأسباب.
الأثر الوجداني: يجد المؤمن سكينة كبرى حين يعلم أن الله هو وكيله وكافيه: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}، فلا يرجو سواه ولا يخشى أحداً إلا إياه.