كمال البيان القرآني بضرب الأمثال وتصريف الحجج ومقابلة أكثر الناس له بالجحود والعناد:
يقرر الحق سبحانه كمال حجته وتوضيحه للحقائق؛ فلقد كرّرنا ونوّعنا وبيّنا وصرفنا للناس في هذا القرآن العظيم من كل مثل يحتاجون إليه في هداية قلوبهم وإصلاح شؤونهم في العقائد والعبادات والأخلاق والقصص والوعد والوعيد؛ فلم نترك باباً من أبواب البرهان والبيان إلا فتحناه؛ ولكن الغالبية الساحقة من الناس أبت وامتنعت بدافع الكبر والهوى إلا جحوداً وكفراناً للحق، ونكراناً للنعمة الإلهية العظمى.
تفسير الطبري (14/ 598)مصدر غير محدد١٤/٥٩٨: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد وابن عباس والحسن: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ}: أي كررنا وبينا وفصلنا وضربنا من كل مثل من العبر والحجج والأمثال المضروبة ليذكروا ويعقلوا، {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا}: أي كره أكثرهم وجحدوا الحق ولم يرضوا إلا بالكفر والتكذيب جحوداً وعناداً.
تفسير ابن كثير (5/ 85)مصدر غير محدد٥/٨٥: يوضح الحافظ ابن كثير أن الآية تعبير عن وضوح الحق وقطع كل معذرة؛ فالقرآن لم يدع شبهاً إلا كشفها، ولا مثلاً يقرب المعنى للأذهان إلا ضربه؛ كقوله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}؛ ولكن القلوب المريضة تأبى إلا الانتكاس والجحود.
القرطبي (10/ 378)مصدر غير محدد١٠/٣٧٨: يذكر القرطبي أن التصريف هو التنويع والترديد لتقرير المعاني؛ والكفور هنا هو الجحود باللسان والقلب بعد قيام الحجة؛ وهو دأب المعاندين في كل عصر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَبَىٰ}: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر.
{أَكْثَرُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو مضاف.
{النَّاسِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{إِلَّا}: أداة حصر.
{كُفُورًا}: مفعول به لـ {أَبَىٰ} بتضمينه معنى لم يرضَ أو لم يقبل إلا كفوراً (أو مفعول مطلق / حال).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إقامة الحجة قبل ذكر التعنت: لما أثبت عجزهم التام عن الإتيان بمثل القرآن في الآية السابقة، بين هنا أن هذا القرآن لم يكن معجزاً في لفظه فقط، بل كان جامعاً تاماً في مضمونه وهدايته؛ فبطلت كل حجة للمعاندين.
التمهيد لاقتراحاتهم التعنتية الوقحة في الآيات اللاحقة: مهد هذا الإباء والكفران لذكر مطالباتهم السخيفة بالخوارق المادية في الآيات (90-93): {وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاحتجاج بكثرة الكافرين على ضعف الحق:
يظن السطحيون أن الحق مع الكثرة؛ فإذا كان "أكثر الناس" كفاراً فربما كان الحق معهم!
الميزان القرآني الصارم لقيمة الكثرة والقلة:
القرآن الكريم يؤصل أن "الكثرة العددية" ليست مقياساً للحق أبداً؛ بل الغالب في الكثرة البشرية اتباع الهوى والعاطفة والتقليد الأعمى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}، وقوله: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}؛ بينما الحق يعرف بالبرهان والوحي القاطع، وأهل الحق غالباً هم القلة المخلصة: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}؛ فلا تغتر بالكثرة الهالكة والزم طريق الهدى وإن قل سالكوه.
التوكيد بالقسم والتحقيق {وَلَقَدْ} والتضعيف في {صَرَّفْنَا}: دلالة على الكثرة البالغة والإحاطة التامة في تنويع الأمثال والمواعظ؛ حتى لم يبق عذر لمعتذر.
استعمال الحصر بـ {إِلَّا كُفُورًا} بعد {فَأَبَىٰ}: استثناء مفرغ يدل على الانحصار التام في دائرة الجحود؛ كأن نفوسهم لم يعد فيها أي متسع لغير الكفر والعناد.
الإشارة والتدبر: كل مثل في القرآن نزل ليوقظ قلبك أنت؛ فإذا قرأت مثلاً عن المنافقين أو الكافرين أو الصالحين، فلا تظن أنه يتحدث عن أقوام غابرين فحسب، بل اعرض قلبك على المثل: أين أنت منه؟! وهل انتفعت بهداه؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: الاقتداء بالمنهج القرآني في استعمال "الأمثال والتشبيهات" لتقريب المعاني الدعوية وتوضيح العقائد؛ فالأمثال مفاتيح القلوب والعقول.
التوجيه التربوي: تسلية المصلحين والدعاة عند قلة الاستجابة؛ فإذا كان أكثر الناس قد أبوا مع كمال بيان القرآن ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يحزن الداعية إذا رأى إعراض الجماهير عن الحق.
الأثر الوجداني: يلهج لسان المؤمن بحمد الله على نعمة الاصطفاء؛ أن جعله من القلة المؤمنة التي شرح الله صدرها للقرآن وتلذذت بأمثاله، مستعيذاً بالله من داء الإباء والكفران.