قمة التعنت والوقاحة بطلب نزول العذاب وطلب رؤية الله والملائكة عياناً كفلاء:
ينتقل كفار قريش في غيهم إلى طلب الهلاك والعذاب؛ فقالوا في سخرية وتحدٍ: أو تسقط السماء التي تحذرنا منها وتخوفنا بعذابها قطعاً وجذاذاً وحجارة فوق رؤوسنا فتهلكنا كما زعمت وتوعدت؛ أو تأتي بذات الله جل وعلا ومعه الملائكة المقربون معاينة فيواجهونا وجهاً لوجه ويشهدوا لك بالنبوة ويكونوا كفلاء وقبلاء على صدقك؛ وهي قمة الجرأة والوقاحة والجهل بالله وعظمته.
تفسير الطبري (14/ 604)مصدر غير محدد١٤/٦٠٤: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن: {أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا}: قالوا: أنت توعدنا بالعذاب وبأن السماء تنفطر وتمور؛ فأسقطها علينا قطعاً كما قالوا في سورة الأنفال: {اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ}، والكسف جمع كِسْفَة وهي القطعة من السماء؛ {أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا}: قال ابن عباس ومجاهد: «عياناً ومقابلة بوجه لوجه»، وقال قتادة والضحاك: «كفيلاً وشهيداً يقبل لك بما تقول ويضمنه»، مأخوذ من القَبَالَة وهي الكفالة؛ والمعنيان صحيحان.
تفسير ابن كثير (5/ 86)مصدر غير محدد٥/٨٦: يوضح الحافظ ابن كثير أن هذا الطلب غاية في السفاهة والعناد؛ فبدلاً من أن يسألوا الله الهداية والرحمة سألوا سقوط السماء واستعجلوا العذاب كقول قوم نوح وقوم شعيب؛ وطلب رؤية الله والملائكة مقابلة هو استكبار كاستكبار بني إسرائيل حين قالوا: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً}.
القرطبي (10/ 382)مصدر غير محدد١٠/٣٨٢: يذكر القرطبي القراءات في {كِسَفًا}؛ قرأ الجمهور بفتح السين جمع كِسْفَة وهي القطعة، وقرأ حفص في بعض المواضع بسكون السين؛ والقَبِيل إما جمع قبيلة (أي أصنافاً متتابعين)، أو المقابلة والعيان، أو الكفيل الضامن.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
كِسَفًا: بفتح السين جمع كِسْفَة وهي القطعة من الشيء، وقيل: بسكون السين مفرد بمعنى القطعة؛ والمراد: قطعاً وجذاذاً من السماء أو حجارة منها.
{أَوْ}: حرف عطف، {تَأْتِيَ}: مضارع منصوب معطوف على ما قبله، والفاعل مستتر أنت.
{بِاللَّهِ}: متعلق بـ {تَأْتِيَ}.
{وَالْمَلَائِكَةِ}: معطوف مجرور بالكسرة.
{قَبِيلًا}: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من اسم الجلالة والملائكة (أي معاينين أو كفلاء).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من الطمع في المنافع إلى استعجال النقمات:
في الآيتين السابقتين اقترحوا منافع دنيوية (ينبوع، وبساتين وأنهار).
وهنا انتقلوا إلى التعنت التهلكي بطلب إسقاط السماء والعذاب؛ كأنهم يقولون: إما أن تعطينا الدنيا وإما أن تهلكنا؛ وهذا غاية التخبط النفسي واليأس من الحجة.
الجهل المركب بمقام الربوبية: قولهم {أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا} يجسد التصور الوثني المشوه للذات الإلهية؛ حيث تخيلوا الله كأحد وجهاء القبائل يأتي مع أعوانه ليشهد ويكفل محمداً صلى الله عليه وسلم؛ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
التمهيد للتسبيح والتنزيه في الآية اللاحقة: هذه المقالة الوقحة استوجبت الرد الحاسم بالتسبيح في الآية (93): {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا لم يسقط الله السماء عليهم أو يريهم ذاته ليؤمنوا؟:
يزعم الملاحدة: لو ظهر الله عياناً للبشر لانتهت كل شكوك الإلحاد وآمن الجميع!
المحاكمة العقلية والسننية لجوهر التكليف:
لو أسقط الله السماء عليهم لهلكوا وماتوا جميعاً؛ فكيف يؤمن من سُحقت عظامه بالهلاك؟! فطلبهم كان طلباً للفناء لا للإيمان!
ولو ظهر الله والملائكة عياناً جهرة للعيون، لتحول الإيمان من "إيمان بالغيب" مبني على النظر والابتلاء والتكليف، إلى "إيمان معاينة وقهر" كإيمان المحتضر عند نزول الموت؛ وحينئذٍ ترتفع التكاليف وتبطل حكمة خلق الدنيا ويبطل الثواب والعقاب: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ}؛ فالرؤية العيانية لله إنما ادخرها الله أعظم جائزة للمؤمنين في جنات النعيم جزاء إيمانهم بالغيب في دار الابتلاء.
إيثار لفظ {زَعَمْتَ}: يظهر سوء طويتهم؛ فهم يسمون إنذارات الوحي الحق "زعماً" تشكيكاً واستهزاءً.
الحال الموصوفة {كِسَفًا}: ترسم مشهداً مرعباً لتمزق السماء وتساقط صخورها وكتلها الملتهبة فوق رؤوسهم؛ مما يعكس عمى القلوب حين يدعو الإنسان على نفسه بالهلاك وهو يضحك.
الإشارة والتدبر: إذا غلبت الشقاوة على العبد دعا بالشر دعاءه بالخير؛ فسل الله دائماً العافية والهدى، وإياك وسؤال البلاء أو التحدي مع قدرة الله؛ فإنك كائن ضعيف لا تطيق قرصة نملة فكيف بكسف من السماء؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ضبط النفس عند سماع وقاحات الملاحدة واستهزائهم بالمقدسات؛ ورد الشبهات بالمنطق العقلي والتنزيه الإلهي الرصين.
التوجيه التربوي: تعظيم جلال الله وهيبته في القلوب؛ فالكلام في جناب الله يجب أن يكون محفوفاً بالخضوع والإجلال لا بالجهل والتجرؤ.
الأثر الوجداني: يقشعر جلد المؤمن إجلالاً لله تعالى وتبرؤاً من مقالات المشركين الفجرة، ملهماً التسبيح والتقديس: "سبحانك ما قدرناك حق قدرك، ولا عبدناك حق عبادتك، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك".