النهي القاطع عن الكبر والخيلاء وبيان عجز الإنسان الفطري:
ينهى الله سبحانه عبده عن مشية البطر والخيلاء، والتبختر في الأرض تكبراً واستعلاءً على الخلق؛ مذكراً إياه بضعفه وعجزه البشري؛ فلن يخرق الأرض بضرب قدمه وصلف مشيته، ولن يطاول الجبال الشامخة بطوله ورفع رأسه؛ فالتكبر صفة منافية لحقيقة الضعف البشري ومستوجبة للمقت الإلهي.
تفسير الطبري (14/ 472)مصدر غير محدد١٤/٤٧٢: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد وابن زيد: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا}: لا تمشِ فيها خيلاء وبطراً وفخراً وتكبراً على الناس، {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ}: لن تثقب الأرض ولم تخرقها بوطئك الشديد وضربك بقدمك؛ فما أنت إلا إنسان ضعيف، {وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا}: ولن تدرك بطولك ومد عنقك واستعلائك رؤوس الجبال؛ فلم التكبر وأنت بين جمادين عظيمين أنت أضعف منهما؟!
تفسير ابن كثير (5/ 52)مصدر غير محدد٥/٥٢: يوضح الحافظ ابن كثير أن الآية نهي عن التبختر في المشية والتعالي؛ كقول لقمان لابنه: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}، ويستشهد بالحديث المتفق عليه: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ، مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ، إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ الأَرْضَ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ».
القرطبي (10/ 287)مصدر غير محدد١٠/٢٨٧: يذكر القرطبي أن المرح هو شدة الفرح والبطر حتى يخرج بصاحبه إلى الطغيان والخيلاء، وأن المشية عنوان ما في القلب من تواضع أو كبر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المَرَح: شدة الفرح والنشاط مع الخيلاء والبطر والتبختر، يقال: مَرِحَ يَمْرَحُ مَرَحاً فهو مَرِحٌ ومِرِّيح.
{طُولًا}: تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة (أو مفعول لأجله، أو مصدر في موضع الحال أي متطاولاً)، وجملتا النفي في محل رفع خبر {إِنَّ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التهذيب الأخلاقي للمظهر والسلوك الخارجي: بعد أن هذب القرآن اللسان، والمعاملات المالية، والعفة، والعدل، والفكر، جاء هنا ليهذب هيئة الإنسان الجسدية في مشيته؛ ليعلم أن التواضع خُلق متكامل يظهر في تقاسيم الجسد وطريقة المشي وخفض الجناح.
الاستدلال الساخر والتبكيت العقلي: واجه المتكبر بحقيقة حجمه الفيزيائي والكوني؛ فأنت محصور بين الأرض تحت قدميك والجبال فوق رأسك؛ فلن تؤثر في صلابة الأرض بضربك لها، ولن تطاول قمم الجبال بتعالي عنقك؛ فأنت كائن ضعيف هزيل؛ فعلام التكبر والخيلاء؟!
التمهيد لخاتمة الوصايا: استئصال شأفة الكبر هو الباب الذي يدخل منه العبد إلى حظيرة التوحيد؛ لأن الكبر هو الذي منع إبليس وفرعون وقريش من الإذعان للحق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة مشية الخيلاء في معركة الحرب والجهاد:
هل يحرم التبختر والخيلاء بإطلاق في كل حال حتى في مواجهة الأعداء؟
التحرير والاستثناء النبوي الصحيح: الأصل تحريم مشية المرح والخيلاء في الحياة اليومية والأسواق وبين الناس؛ لكن الشريعة استثنت حالة واحدة خاصة لإرهاب الأعداء وإعزاز راية الإسلام؛ كما في الحديث الصحيح حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم أبا دجانة يتبختر بين الصفين بسيفه وعصابته الحمراء يوم أحد، فقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهَا لَمِشْيَةٌ يَبْغَضُهَا اللَّهُ إِلا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ»؛ لأنها عزة بالحق وقهر للمشركين لا تكبراً على الضعفاء.
أسلوب التهكم والتقريع الإعجازي: في قوله {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} مبالغة في تصغير شأن المتكبر وإبراز تفاهة انتفاخه الأجوف أمام عظمة خلق الله الكوني.
إيثار ذكر {الْأَرْضَ} و{الْجِبَالَ}: لأنهما رمزان للرسوخ والثبات والضخامة، والإنسان بينهما جرم ضئيل مصنوع من طين تلك الأرض ومحكوم بنواميسها.
الإشارة والتدبر: كلما ازداد العبد علماً بربه وبحقيقة نفسه ازداد تواضعاً وانكساراً؛ فالسنبلة الممتلئة بالقمح تنحني خاضعة، والسنبلة الفارغة ترتفع خاوية متكبرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: دعوة الناس إلى خلق التواضع النبوي الشريف؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مشى مشى كأنما ينحط من صبب، هيناً ليناً لا كبر فيه ولا تصنع.
التوجيه التربوي: معالجة نوبات الغرور والصلف في نفوس الشباب حديثي النعمة أو القوة؛ وتذكيرهم بأن العظمة لله وحده.
الأثر الوجداني: يتطامن قلب المؤمن خشوعاً لله رب العالمين، ويمشي في الأرض سكينة ووقاراً، ممتثلاً قول الله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا}.