الإعلان الإلهي الخالد بتكريم الإنسان وتسخير الوجود ورزق الطيبات وتفضيل بني آدم على كثير من المخلوقات:
يقرر الحق تبارك وتعالى الميثاق الكوني الأعظم في تكريم الجنس البشري وتشريفه على سائر الخلائق؛ فلقد كرم الله بني آدم بالعقل، والنطق، وحسن الصورة، واعتدال القامة، وحملهم في البر على الدواب والمراكب وفي البحر على السفن، ورزقهم من لذائذ المآكل والمشارب والملابس، وفضلهم تفضيلاً عظيماً بالتمييز والتكليف واصطفاء الأنبياء على كثير من العوالم المخلوقة كالحيوانات والجن؛ مما يوجب على هذا الإنسان أن يشكر هذا التكريم بعبادة المنعم وتوحيده وحده.
تفسير الطبري (14/ 550)مصدر غير محدد١٤/٥٥٠: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}: قال ابن عباس: «بالعقل، والنطق، والفهم، وحسن القامة والاعتدال، وأنه يأكل بيده وسائر الدواب تأكل بأفواهها»، {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ}: على الدواب والخيل والإبل، {وَالْبَحْرِ}: على الفلك والسفن، {وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ}: من شهي المآكل والمشارب والتمور والفواكه واللحوم، {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}: بالعقل والتكليف والتمييز؛ ففضلهم على البهائم والسباع والجن، وقيل: فضل مؤمنيهم على الملائكة بصبرهم ومجاهدتهم الشهوات.
تفسير ابن كثير (5/ 72)مصدر غير محدد٥/٧٢: يقرر الحافظ ابن كثير أن الآية من جوامع نعم الله على الإنسان؛ خلقه في أحسن تقويم، ومكنه من تسخير الكائنات، وحمله في البر والبحر، وأكرمه بالطيبات، وميزه بالعقل الذي يعرف به ربه؛ واستدل بها كثير من العلماء على تفضيل جنس بني آدم الصالحين (الأنبياء والأولياء) على الملائكة الكرام.
القرطبي (10/ 340)مصدر غير محدد١٠/٣٤٠: يذكر القرطبي أن وجوه تكريم الإنسان لا تحصى؛ فمنها العقل، والنطق، والتمييز، والخط بالقلم، وتناول الطعام بالأيدي، واعتدال القامة، وحسن الصورة، وتسخير سائر الأجناس لخدمته؛ وأن كفران هذه النعمة بالشرك أقبح السقوط.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
معطوف على ما قبله؛ {فَضَّلْنَاهُمْ}: فعل وفاعل ومفعول به.
{عَلَىٰ كَثِيرٍ}: متعلق بـ {فَضَّلْنَاهُمْ}.
{مِّمَّنْ}: {مِنْ} حرف جر، {مَنْ}: اسم موصول مبني في محل جر متعلق بمحذوف نعت لكثير.
{خَلَقْنَا}: فعل وفاعل والجملة صلة الموصول، والمفعول محذوف (خلقناه).
{تَفْضِيلًا}: مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة مؤكد لـ {فَضَّلْنَاهُمْ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج النعم وإعادة الإنسان إلى أصل شرفه الكوني: بعد أن ذكر ركوب البحر، والنجاة إلى البر، والتحذير من الخسف والغرق، جاءت هذه الآية الجامعة لتبين "العلة الكبرى" لتسخير البر والبحر؛ وهو أن الله جعل هذا الوجود كله خادماً لهذا الإنسان المكرم؛ فكيف يليق بهذا المخلوق الذي كرمه ربه وسخر له البر والبحر أن يسجد لحجر أو ينحني لصنم أو يتبع إبليس الذي أهانه؟!
الترتيب الرباعي لمنظومة التكريم الإلهي:
أصل الكرامة والشرف الذاتي: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}.
تسخير وسائل الحركة والتمكين في أرجاء الكوكب: {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ}.
المقابلة مع إهانة إبليس: إبليس قال: {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} وقال: {لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ}؛ فرد الله عليه بإعلان تكريم آدم وذريته رغماً عن أنف إبليس وكيده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تفضيل بني آدم على "كثير" وهل يدخل الملائكة في ذلك؟:
لماذا قال {عَلَىٰ كَثِيرٍ} ولم يقل "على كل" من خلقنا؟!
التحرير الكلامي والأصولي في مسألة التفضيل بين البشر والملائكة:
جمهور أهل السنة والجماعة يقررون أن:
صالحو البشر وأنبياؤهم أفضل من عموم الملائكة: باعتبار كمال النهاية؛ لأن الإنسان يعبد الله ويطيعه مع مجاهدة الشهوات والهوى والشياطين ووساوس الجسد؛ فالطاعة مع المجاهدة أشق وأعظم ثواباً؛ ولذلك سجدت الملائكة لآدم تكريماً واعترافاً بفضل العلم.
الملائكة أفضل من عموم البشر وفجارهم: باعتبار البداية وعصمتهم الدائمة من المعاصي: {لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ}.
والتعبير بـ {كَثِيرٍ} يفيد الاحتراز الدقيق في اللفظ القرآني؛ لبيان عظمة خلق الملائكة الأبرار، أو أن {كَثِيرٍ} هنا يراد بها الجميع كما تستعمل العرب لفظ الكثير في معنى الكل في بعض أساليبها.
القسم المؤكد بـ {وَلَقَدْ} وإسناد الفعل لضمير العظمة {كَرَّمْنَا}: دلالة على عظمة التكريم؛ فالمكرم هو رب العزة والجلال، والمكرم هو الإنسان؛ فيا له من شرف لا تدانيه كرامة!
المفعول المطلق {تَفْضِيلًا}: تأكيد لفخامة هذا التفضيل وعلو درجته في ميزان الخلق والتدبير.
الإشارة والتدبر: كرمك الله بالعقل والوحي، وسخر لك الكون بسمائه وأرضه وبحاره؛ فلا تهن نفسك بمعصية إبليس، ولا تدنس طهارة إنسانيتك بالانحدار إلى دركات البهائم والشهوات المحرمة؛ فمن أطاع شهوته وعصى ربه صار أضل من البهائم: {أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تأصيل الحقوق الإنسانية والكرامة الآدمية من المنظور الإسلامي؛ فالإنسان مكرم بذاته كرامة فطرية تحرم دمه وعرضه وماله؛ ورسالة الإسلام جاءت لحفظ هذه الكرامة وتحريرها من عبودية الطواغيت.
التوجيه التربوي: غرس عزة النفس والشعور بالمسؤولية لدى الأبناء؛ ليعلموا أنهم ليسوا مجرد كائنات مادية عبثية نتجت عن صدفة عمياء (كما تزعم الداروينية الإلحادية)، بل هم خلق مكرمون أصحاب رسالة وأمانة عظمى في الكون.
الأثر الوجداني: يمتلئ قلب المؤمن امتناناً وعرفاناً بربه المنعم، ويلهج لسانه بحمد الله على نعمة الإسلام والعقل والكرامة، مستشعراً ثقل الأمانة وعظمة التكليف بين يدي الله.