مشهد البعث والنداء الإلهي من القبور والاستجابة الخاضعة بالحمد وقصر عمر الدنيا:
يصف الله جل وعلا ذلك اليوم القريب المهيب؛ حين ينادي المنادي (إسرافيل عليه السلام بأمر الله) الأجساد المبعثرة في قبورها وأرجاء الأرض: أيتها العظام البالية، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، قوموا لفصل القضاء بين يدي الله؛ فتستجيبون خاضعين منقادين بالحمد والثناء والخضوع لعظمة جلاله، موقنين بأن أعماركم الطويلة في الدنيا ولباثكم في برزخ القبور لم يكن إلا زمناً يسيراً كأنه ساعة من نهار.
تفسير الطبري (14/ 507)مصدر غير محدد١٤/٥٠٧: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد وابن عباس والحسن: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ}: أي يدعوكم من قبوركم بالنفخة الثانية على لسان إسرافيل من صخرة بيت المقدس، {فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ}: أي تنقادون لأمره وتجيبون دعوته خاضعين حامدين مقرين بقدرته وسلطانه، وقال قتادة: «بأمره ومعرفته وطاعته»، وقيل: تحمدونه حيث لا ينفعكم الحمد؛ وقيل: يستجيب المؤمنون والكفار، فالمؤمن يحمد الله على النجاة، والكافر يقر بعظمة الله مكرهاً، {وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا}: تحسبون أن مدة مقامكم في الدنيا والقبور كانت قليلة جداً لشدة ما عاينتم من هول القيامة والخلود.
تفسير ابن كثير (5/ 61)مصدر غير محدد٥/٦١: يوضح الحافظ ابن كثير أن الدعوة هي النفخة في الصور؛ كما قال تعالى: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ}، وقوله: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا}؛ فالدنيا كلها بمتاعها وأيامها تضمحل وتصغر في أعينهم أمام أهوال القيامة وسرمدية الآخرة.
القرطبي (10/ 310)مصدر غير محدد١٠/٣١٠: يذكر القرطبي أن الباء في {بِحَمْدِهِ} للملابسة؛ أي متلبسين بحمده، أو طائعين منقادين؛ وأن الظن هنا بمعنى اليقين أو حسبان النفس؛ لقصر مدة الدنيا في حسهم مقارنة بالخلود الأبدي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدعاء: النداء بالصوت، ودعوة الله للخلائق: أمره التكويني بالقيام والنشور من الأجداث.
الاستجابة بالحمد: الإجابة التامة والانقياد المطلق مع التسليم لله بالحمد والملك؛ فلا يتخلف أحد ولا يمتنع كافر.
اللَّبْث: المكث والإقامة في المكان والزمان، لبث يلبث لبثاً.
{بِحَمْدِهِ}: الباء للملابسة أو الحال، {حَمْدِهِ}: مجرور بالكسرة والهاء مضاف إليه، والجار والمجرور متعلق بـ {تَسْتَجِيبُونَ} أو بمحذوف حال (أي حامدين أو منقادين طائعين).
{إِن}: حرف نفي معلق لفعل الظن عن العمل في اللفظ سد مسد مفعولي تظنون.
{لَّبِثْتُمْ}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بالتاء، والتاء فاعل والميم للجمع.
{إِلَّا}: أداة حصر ملغاة.
{قَلِيلًا}: ظرف زمان منصوب نائب عن ظرف الزمان المحذوف (أي وقتاً قليلاً أو لبثاً قليلاً).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتباط بـ {قَرِيبًا} وتجسيد لحظة التحقق: لما قال في ختام الآية السابقة {قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا}، فصّل هنا هذا اليوم القريب؛ فكأن القيامة واقعة الآن، والقبور تتشقق، والأجساد تقوم طائعة ملبية النداء؛ مما يهز ضمير الغافل وينقله من جدل الألفاظ إلى ساحة الهول الحق.
السرعة الإعجازية بالفاء التعقيبية في {فَتَسْتَجِيبُونَ}: للدلالة على أن النفور والاستكبار والإنغاض الذي كانوا يمارسونه في الدنيا سيتلاشى بلحظة واحدة؛ فلن يستطيع كافر أن يتردد أو يتأخر لحظة عن تلبية النداء الإلهي؛ بل يخرجون سراعاً كأنهم جراد منتشر.
التقابل بين طول آمالهم الدنيوية وقصرها عند المعاينة: كانوا في الدنيا يبنون القصور ويؤملون الخلود وينكرون البعث لطول آمالهم؛ فإذا عاينوا الآخرة صغرت الدنيا في أعينهم حتى ظنوا أنهم لم يلبثوا في قبورهم ودنياهم إلا عشية أو ضحاها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استجابة الكفار "بالحمد" وهم أعداء الله في الدنيا:
كيف يقول {فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} والكفار معذبون ساخطون في الآخرة؟!
التحقيق التفسيري والعقدي:
الانقياد التكويني القهري: الكافر في الدنيا كان يملك الاختيار التكليفي فكفر وعاند؛ أما في الآخرة فقد ارتفع التكليف وصار الملك لله القهار وحده؛ فالكل يستجيب مكرهاً خاضعاً ذليلاً، ويقر بحمد الله وعدله التام في حكمه: {وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
شمول الخطاب للمؤمنين والكافرين: فالمؤمنون يستجيبون بحمده حقيقة ورضاً وفرحاً برحمته، والكفار يستجيبون طوعاً وكرهاً مقرين بأن الحمد والاستحقاق لله وحده دون أصنامهم التي خذلتهم.
التعبير بالدعاء والاستجابة {يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ}: استعارة تمثيلية بالغة القوة؛ تصور تفرق ذرات البشر في باطن الأرض كجيش منتشر نائم، يصيح بهم القائد صيحة واحدة فينتفض الجميع وقوفاً بين يديه في غمضة عين دون أي تلكؤ.
أسلوب القصر في {إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا}: إبراز لحقيقة تفاهة الزمن الدنيوي كله مهما طال؛ فملايين السنين في حساب الخلود الأبدي ليست إلا كقطرة في محيط لا ينفد.
الإشارة والتدبر: إذا كان عمر الدنيا كلها من أولها إلى آخرها لا يعدو في نظرك غداً إلا زمناً قليلاً كحلم ساعة، فكيف تبيع الخلود الأبدي والنعيم المقيم بشهوة ساعة فانية من هذا العمر القليل؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تذكير الناس بحقيقة الدنيا الزائلة وحتمية الخروج من القبور؛ فموعظة البعث هي أعظم موقظ للضمائر الغافلة والمستكبرة.
التوجيه التربوي: تربية النفس على الزهد في حطام الدنيا الزائل؛ وترسيخ قاعدة أن الحياة الحقيقية هي الدار الآخرة: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}.
الأثر الوجداني: يخشع قلب المؤمن وتفيض عيناه دموعاً عند تصور لحظة خروجه من القبر مجيباً نداء ربه، مستعداً للموقف بالحمد والاستغفار، راجياً أن يكون من الآمنين يوم الفزع الأكبر.