يواصل الحق سبحانه إحكام سياج الحماية لحقوق المستضعفين؛ فنهى الأولياء والأوصياء عن مجرد الاقتراب من مال اليتيم بنية الطمع أو الأكل بالباطل، واستثنى التصرف الراشد الذي يحفظ ماله وينميه ويصلحه حتى يبلغ رشده وقوته، ثم عطف بالأمر الجازم بالوفاء بالعهود مع الله ومع العباد، مؤكداً أن العهد مسؤول عنه صاحبه يوم القيامة ومحاسب عليه.
تفسير الطبري (14/ 466)مصدر غير محدد١٤/٤٦٦: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد والضحاك والسدي: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}: أي بما فيه صلاحه وتثميره وحفظه من التلف، ولا تأكلوه إسرافاً وبداراً أن يكبروا، {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ}: حتى يبلغ كمال عقله وقوته ويؤنس منه الرشد وتدبير المال؛ فإذا بلغ دفع إليه ماله كاملاً، {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ}: أوفوا بما عاهدتم الله عليه من فرائضه، وبما عاهدتم الناس عليه من العقود والمواثيق في البيع والإجارة والنكاح، {إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا}: يسأل الله العاقد عنه: هل وفى به فيثاب، أم غدر وخان فيعاقب.
تفسير ابن كثير (5/ 50)مصدر غير محدد٥/٥٠: يوضح الحافظ ابن كثير أن الآية تقرر الأمانة في ولاية القاصرين؛ فلا يقرب ماله إلا بالوجه الأحسن كالتجارة له وحفظ أصله؛ كما قال في سورة النساء: {وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ}. والوفاء بالعهد ركيزة التعامل بين المسلمين لقوله صلى الله عليه وسلم: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ».
القرطبي (10/ 280)مصدر غير محدد١٠/٢٨٠: ينبه القرطبي إلى أن الأشد هو استحكام قوة البدن والعقل وحسن التصرف المالي، والعهد لفظ عام يشمل عهود التوحيد وسائر العقود الشرعية بين الخلق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الأَشُدّ: جمع لا واحد له من لفظه (كأنعم)، أو مفرد جاء على وزن الجمع كأَشُدّ، وهو كمال القوة البدنية والعقلية وبلوغ الرشد، وغايته ما بين الثامنة عشرة إلى الأربعين سنة.
مَسْئُولًا: مطلوباً يسأل عنه صاحبه، وهو مجاز في جعل العهد كأنه شخص يسأل، أو على حذف مضاف تقديره: مسؤواً عنه.
{بِالَّتِي}: الباء حرف جر، {الَّتِي} اسم موصول مبني في محل جر، والجار والمجرور في محل نصب حال أو استثناء مفرغ؛ أي: لا تقربوه بملابسة إلا بالخصلة أو الطريقة التي هي أحسن لليتيم.
{هِيَ}: ضمير منفصل مبتدأ في محل رفع.
{أَحْسَنُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة ومنع من الصرف، وجملة {هِيَ أَحْسَنُ} صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
إعراب {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ}:
{حَتَّىٰ}: حرف غاية وجر.
{يَبْلُغَ}: مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى بالفتحة، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على اليتيم.
{أَشُدَّهُ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة، والهاء مضاف إليه، والمصدر المؤول في محل جر بـ {حَتَّىٰ}، والجار والمجرور متعلق بـ {تَقْرَبُوا} أو بمحذوف تقديره (واحفظوه حتى يبلغ).
الواو عاطفة، {أَوْفُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
{بِالْعَهْدِ}: جار ومجرور متعلق بـ {أَوْفُوا}.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب، {الْعَهْدَ}: اسم {إِنَّ} منصوب بالفتحة.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص، واسمها مستتر تقديره هو.
{مَسْئُولًا}: خبر {كَانَ} منصوب بالفتحة، وجملة كان واسمها وخبرها في محل رفع خبر {إِنَّ}، والجملة تعليلية للأمر بالوفاء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سد الذرائع في حماية المستضعف: التعبير بـ {وَلَا تَقْرَبُوا} تكرر في السورة مرتين: في الزنا {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ}، وفي مال اليتيم {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ}؛ لأن الجريمتين فيهما دافع شهوة جارف وضعف في المقاومة؛ فاليتيم ضعيف لا ناصر له يدافع عنه، والمال مظنة الطمع، فحرم الله مجرد القرب الذي يثير الطمع إلا بالسبيل الذي ينميه ويصلحه.
التدرج من الخاص إلى العام: بدأ بحماية عهد خاص وأمانة دقيقة وهي مال اليتيم، ثم عمم التشريع بالوفاء بكل عهد وميثاق: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ}؛ ليعلم أن حفظ أمانة اليتيم جزء من منظومة الأمانة العامة التي تقوم عليها استقامة المجتمع.
التجسيد في {إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا}: جعل العهد كأنه كائن حي يسأل يوم القيامة عمن ضيعه وتبكياً للغادر، كقوله تعالى في الموءودة: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تحرج الأولياء من إدارة أموال اليتامى خوفاً من الإثم:
لما نزلت آيات الوعيد الشديد في أموال اليتامى تحرج الصحابة حتى عزل بعضهم طعام اليتيم عن طعامه فيفسد الطعام، فأنزل الله التخفيف.
التحرير والرد الفقهي السديد: الآية حكيمة استثنت التصرف بالإصلاح: {إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، وبين الله في سورة البقرة: {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ}؛ فالمنهي عنه هو الأكل بالباطل واستغلال ضعف اليتيم، أما خلط المال بالمعروف وتنميته والتجارة له بما يعود عليه بالنفع فهو مأمور به ومندوب إليه لحفظ أموال القاصرين من أن تأكلها الصدقة.
صيغة التفضيل في {بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}: لم يقل بالحسنة بل قال بالأحسن؛ للدلالة على وجوب تحري أقصى درجات الحيطة والحرص في اختيار الأصلح والأنفع لمال اليتيم.
إسناد السؤال إلى العهد {كَانَ مَسْئُولًا}: مجاز عقلي بديع يخلع على المعاني المجردة صفة التشخيص؛ ليدل على أن الغدر ونقض العهود جريمة لا تسقط بالتقادم، بل يطالب بها صاحبها يوم الدين.
الإشارة والتدبر: أمانات المستضعفين ميزان التقوى الصادقة؛ فالقوي قد تأخذ حقك منه بقوتك، أما اليتيم والمسكين فلا ناصر لهما إلا الله؛ فمن خان عهد اليتيم فقد بارز الله بالعداوة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تأسيس المؤسسات الوقفية ودور الرعاية الكفيلة باستثمار أموال الأيتام وحمايتها وفق الضوابط الشرعية، وغرس خلق الوفاء بالعهود في المعاملات الدولية والتجارية.
التوجيه التربوي: تدريب الأولياء على النزاهة التامة في أموال القاصرين؛ وتربية الأبناء على الوفاء بالكلمة والوعد ولو كان صغيراً؛ فإن نقض العهود خصلة نفاق.
الأثر الوجداني: يشعر المؤمن بجلال الأمانة ورهبة الموقف بين يدي الله، مستحضراً أن كل عهد قطعه على نفسه مكتوب ومسؤول عنه، فيحرص على الوفاء والصدق في كل شؤونه.