تنزيه الذات العلية وتقديسها عن افتراءات المشركين وإلحادهم:
بعد أن فند البرهان العقلي دعوى الشرك، جاء هذا الإعلان الإلهي بتنزيه الله تبارك وتعالى وبراءته من كل ما يصفه به المشركون من الصاحبة والولد والشريك والند، وعلوه الذاتي وعلو قهره وقدره فوق كل ما يتقوله المبطلون علواً لا تبلغه الأوهام ولا تحيط به العقول.
تفسير الطبري (14/ 484)مصدر غير محدد١٤/٤٨٤: يروي الطبري عن مجاهد وقتادة والحسن: {سُبْحَانَهُ}: تنزيهاً لله وبراءة له من السوء والنقص وعما يصفه به هؤلاء الظالمون، {وَتَعَالَىٰ}: ارتفع وتقدس، {عَمَّا يَقُولُونَ}: عما يفتري هؤلاء المشركون من قولهم: الملائكة بنات الله، أو الأصنام شركاؤه، {عُلُوًّا كَبِيرًا}: علواً عظيماً يليق بجلاله وكبريائه وعظمته؛ فإنه الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.
تفسير ابن كثير (5/ 56)مصدر غير محدد٥/٥٦: يقرر الحافظ ابن كثير أن الله تعالى نزه نفسه الكريمة وقدسها عن مقالات المشركين الفجرة، وأثبت لنفسه العلو المطلق (علو الذات والصفات والقهر والقدر)؛ مستحضراً أنه العلي العظيم الذي خضعت لملكوته الرقاب وتضاءلت أمام كبريائه الخلائق.
القرطبي (10/ 296)مصدر غير محدد١٠/٢٩٦: يوضح القرطبي أن التسبيح معناه البراءة الكلية من كل عيب؛ وأن العلو صفة تليق بذاته العلية؛ وهو علو شأن وجلال وقدرة ومكانة وذات، منزه عن صفات المخلوقين من التحيز والنقص والحاجة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التسبيح: التنزيه والتقديس، وسبحان اسم مصدر منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف تقديره (أسبح سبحاناً).
العُلُوّ: الارتفاع ضد السفل؛ والعلو الكبير: الرفعة العظمى التي لا يحدها حد ولا يدانيها كمال.
{عُلُوًّا}: مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة مؤكد لـ {تَعَالَىٰ} لأنه في معناه.
{كَبِيرًا}: نعت منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع التنزيه بعد إقامة الحجة: في الآية السابقة أقام الدليل العقلي على استحالة الشركاء، فناظر العقول وألزمها؛ ثم جاء هنا ليقطع كل خاطر فاسد بإعلان التنزيه المطلق؛ تعليماً للعباد كيف يعظمون ربهم إذا ذُكرت مقالات الكفرة.
{وَتَعَالَىٰ}: إثبات للكمال المطلق والرفعة التامة (التحلية).
فاجتمع في الآية النفي والإثبات وهما ركنا التوحيد الخالص.
التمهيد لتسبيح الأكوان في الآية اللاحقة: لما أعلن تنزهه علواً كبيراً، بيّن في الآية التالية (44) أن الوجود بأسره، سمواته وأرضه ودوابه وحصاه، خاضع مسبح بحمده خضوعاً دائماً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تأويل العلو بما ينفي صفة الرب سبحانه:
خاضت الفرق الكلامية في صفة "العلو" بين من أنكر العلو بالكلية وبين من شبهه بحركات الأجسام المادية.
التحرير السني المحكم وفق مذهب السلف الصالح:
يثبت أهل السنة والجماعة لله تعالى العلو المطلق بجميع معانيه اللائقة بجلاله: علو القدر والمنزلة، وعلو القهر والغلبة، وعلو الذات فوق خلقه بائناً منهم مستوياً على عرشه كما أخبر في كتابه: {الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ}؛ مع نفي المشابهة والمماثلة لصفات المخلوقين: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}؛ فهو تعالى عالٍ فوق كرسيه وعرشه، محيط بالخلائق، لا يناله نقص ولا يحده مكان حادث سبحانه علواً كبيراً.
المفعول المطلق الموصوف {عُلُوًّا كَبِيرًا}: يفيد التعظيم البالغ وإخراج العلو عن دائرة المقاييس المخلوقة؛ فليس علوه كعلو جبل على سهل أو ملك على رعية، بل علو لا نهاية لجلاله وكبريائه.
التعبير بالمضارع في {يَقُولُونَ}: للإشعار بتجدد افتراءاتهم واستمرار كذبهم، وقوبل بالماضي {تَعَالَىٰ} الدال على ثبوت علوه واستقراره أزلاً وأبداً.
الإشارة والتدبر: إذا سمع المؤمن مقالة كفر أو نقيصة تنسب إلى الله، يجب أن ينتفض قلبه ولسانه بالتسبيح والتكبير؛ براً بالرب العظيم ورداً على جهالات الملحدين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ترسيخ أدب التنزيه عند مناقشة الشبهات العقائدية؛ فلا يجوز للداعية أن يذكر شبه المشركين دون أن يعقبها بتسبيح الله وتعظيمه.
التوجيه التربوي: تعويد الألسن على ملازمة كلمة «سبحان الله وتعالى» عند رؤية البدع أو سماع المنكرات، لتبقى هيبة الجلال الإلهي حية في النفوس.
الأثر الوجداني: يغمر القلب شعور بالانكسار والذلة لعظمة الله المتعالي؛ فإذا كان ربنا علواً كبيراً فوق العرش، فما الإنسان إلا ذرة ضئيلة تعيش في ملكوته فكيف يتجرأ على معصيته؟!