الأمر الإلهي بالتهجد وقيام الليل والوعد بالمقام المحمود والشفاعة العظمى للنبي صلى الله عليه وسلم:
يختص الحق سبحانه وتعالى نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم بأمر جليل؛ فبعد أداء الفرائض الخمس، قم من نومك في جوف الليل فتهجد وتل القرآن متعبداً به، فريضة زائدة وشرفاً خاصاً بك ترتفع به درجاتك ومنازلك، لعل ربك يبعثك يوم القيامة في المقام المحمود الذي يحمدك عليه الأولون والآخرون؛ وهو مقام الشفاعة العظمى لفصل القضاء بين العباد حين يتراجع عنها أولو العزم من الرسل.
تفسير الطبري (14/ 572)مصدر غير محدد١٤/٥٧٢: يروي الطبري عن ابن عباس وابن عمر ومجاهد وقتادة والحسن وأبي هريرة: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ}: التهجد هو السهر بعد نومة؛ أي قم بعد نومك فاقرأ بالقرآن وصلّ، {نَافِلَةً لَّكَ}: قال ابن عباس ومجاهد: «فضيلة لك وزيادة في الدرجات؛ لأن ذنوبك قد غفرت ما تقدم منها وما تأخر، فقيام الليل زيادة في شرفك، وهو لغيرك كفارة لذنوبه»، وقيل: كانت نافلة له واجبة عليه دون أمته؛ {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا}: أجمع المفسرون وأهل الأثر على أنه "مقام الشفاعة العظمى" يوم القيامة؛ حيث يحمده الله والملائكة والخلائق أجمعون لإراحتهم من هول المحشر والموقف.
تفسير ابن كثير (5/ 78)مصدر غير محدد٥/٧٨: يورد الحافظ ابن كثير أحاديث الشفاعة الصحيحة المستفيضة في البخاري ومسلم؛ ومنها حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ جُثًا، كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا يَقُولُونَ: يَا فُلاَنُ اشْفَعْ، حَتَّى تَنْتَهِيَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ المَقَامَ المَحْمُودَ»، وحديث أبي هريرة في سجوده صلى الله عليه وسلم تحت العرش وفتحه بمحامد لم يفتح بها على أحد قبله، فيقال له: «يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ».
القرطبي (10/ 357)مصدر غير محدد١٠/٣٥٧: يذكر القرطبي أن التهجد مشتق من الهجود، وهو من الأضداد؛ يقال: هَجَدَ إذا نام، وتَهَجَّدَ إذا استيقظ وألقى النوم عن نفسه؛ و{عَسَىٰ} من الله إيجاب وتحقق؛ فالمقام المحمود مقطوع به لرسول الله صلى الله عليه وسلم بإجماع الأمة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التَّهَجُّد: الاستيقاظ من النوم للصلاة والعبادة؛ وتَفَعَّلَ هنا تدل على إزالة الشيء كتحرج وتأثم؛ أي أزال الهجود (النوم) عن نفسه بالسهر للطاعة.
النَّافِلَة: الزيادة، مأخوذة من النَّفَل وهو الفضل والزيادة؛ والمراد: زيادة في الشرف وعلو الدرجات.
المَقَام المَحْمُود: المنزلة الرفيعة التي تستجلب حمد الحامدين وثناء الخلائق جميعاً.
{أَن يَبْعَثَكَ}: المصدر المؤول في محل رفع فاعل لعسى التامة، {يَبْعَثَكَ}: مضارع منصوب والكاف مفعول به أول.
{رَبُّكَ}: فاعل يبعثك مرفوع والكاف مضاف إليه.
{مَقَامًا}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة على تضمين يبعثك معنى يقيمك، أو منصوب بنزع الخافض (أي إلى مقام)، أو ظرف مكان.
{مَّحْمُودًا}: نعت منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتقاء من الفرائض إلى النوافل والتهجد: بعد أن أمر بإقامة الصلوات الخمس المكتوبة في الآية السابقة، رقى رسوله إلى أعلى منازل القرب بالتهجد ومناجاة السحر؛ لبيان أن قيادة الأمة ومواجهة كيد الأعداء تقتضي خلوات طويلة وتزوداً روحياً في جوف الليل.
ربط السبب بالنتيجة (التهجد في ظلمة الليل يثمر المقام المحمود في مشهد الحشر):
العمل: السجود والبكاء في خفاء وظلمة الليل بعيداً عن أعين الناس: {فَتَهَجَّدْ بِهِ}.
الجزاء: القيام الأسمى والظهور المحمود أمام مليارات الخلائق في ضحى القيامة: {مَقَامًا مَّحْمُودًا}.
فما أعظم التناسب بين خفاء العمل وعظمة الجزاء!
التمهيد لدعاء الهجرة والنصر في الآية التالية: هذا الشحن الروحي في محراب الليل مهد لقوله في الآية (80): {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ}؛ فالدعاء المستجاب يولد في جوف الليل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا يعطى النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة دون سائر الأنبياء؟:
لماذا يعتذر أولو العزم (آدم، نوح، إبراهيم، موسى، عيسى) في المحشر وتؤول الشفاعة لمحمد صلى الله عليه وسلم قائلاً: «أَنَا لَهَا»؟!
الحكمة الإلهية في إظهار فضل خاتم الرسل:
اعتذار الرسل الكرام ليس عجزاً عن معرفة الله، بل هو من باب كمال الأدب والوجل لغضب الله في ذلك اليوم، وتذكير كل نبي بذنب أو زلة سابقة وقعت منه؛ حتى إذا انتهى الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، تقدم بلا تردد وسجد تحت العرش؛ فيظهر الله فضله وشرفه على سائر العالمين في ذلك المشهد الكوني المهيب؛ فيحمده الأولون والآخرون؛ وتتحقق نبوءة {مَقَامًا مَّحْمُودًا}.
التعبير بـ {فَتَهَجَّدْ} بصيغة التَفَعُّل: مبالغة في مجاهدة النفس ونفض غبار الكسل ومغالبة النوم؛ فالنوم لذيذ لكن مناجاة الحبيب ألذ وأشرف.
التنكير في {مَقَامًا مَّحْمُودًا}: يفيد التعظيم البالغ؛ أي مقاماً عظيماً جداً لا يدرك كنهه عقل ولا يحيط ببهائه خيال.
الإشارة والتدبر: سهام الليل لا تخطئ؛ فإذا أردت مقاماً رفيعاً في الدنيا والآخرة، وإذا أردت الفرج لمكر الأعداء وكربات الحياة، فاقتطع من ليلك ركعات تناجي فيها مولاك وتسأله من فضله؛ فإن شرف المؤمن قيامه بالليل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ترسيخ عبادة التهجد وقيام الليل كشرط أساسي لنجاح الدعاة والمصلحين؛ فالداعية الذي لا زاد له من الليل يفرغ رصيده وينكسر أمام الفتن.
التوجيه التربوي: تنشئة الأسرة المسلمة على إحياء ولو ركعات معدودات قبل الفجر؛ وتذكيرهم بحديث: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ».
الأثر الوجداني: يفيض وجدان المؤمن شوقاً ومحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب المقام المحمود والحوض المورود، ويلهج بعد كل أذان بالدعاء النبوي: "اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته".