البرهان العقلي القاطع على بطلان تعدد الآلهة وإثبات انفراد الله بالملكوت:
يلقن الله نبيه صلى الله عليه وسلم الحجة العقلية الدامغة لإفحام المشركين الزاعمين وجود آلهة مع الله؛ فلو كان الأمر كما يزعمون أن معه شركاء يستحقون الألوهية، لكان أولئك الشركاء إما مكلفين خاضعين يبتغون القربة والطاعة لذي العرش كما يفعل المقربون، أو لطلبوا سبيلاً لمنازعته وقهره ومغالبته على ملكه؛ وحيث لم يقع شيء من ذلك واستقر نظام الكون بالتدبير الواحد، بطل زعمهم وتعينت الوحدانية المطلقة لله وحده.
تفسير الطبري (14/ 482)مصدر غير محدد١٤/٤٨٢: يروي الطبري عن قتادة: {قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا}: «أي لابتغوا إلى ذي العرش قربة وفضيلة وطاعة ولعرفوا فضله ومنزلته فطلبوا الزلفى إليه؛ لأنهم دونه»، ويروي عن ابن عباس وجماعة: «أي لطلبوا سبيلاً إلى منازعته وقهره وأخذ الملك منه كما تفعل ملوك الدنيا فيما بينهم»، والقولان يرجعان إلى إثبات عظمة الله وانفراده بالألوهية، والأول أظهر في سياق الرد على عبادة الملائكة والصالحين.
تفسير ابن كثير (5/ 55)مصدر غير محدد٥/٥٥: يوضح الحافظ ابن كثير أن الآية كقوله تعالى في سورة الأنبياء: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}، وقوله في المؤمنون: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}؛ فلو كانت تلك الآلهة المزعومة حقة لسعت للتقرب إلى الله لعلمها بفقرها إليه وعظمته، أو لسعت لمغالبته، والمغالبة مستحيلة؛ فثبت بطلان الشرك من كل وجه.
القرطبي (10/ 295)مصدر غير محدد١٠/٢٩٥: يذكر القرطبي القراءات في قوله {كَمَا يَقُولُونَ} بالياء للغيبة (قراءة الجمهور)، وقرأ ابن كثير وحفص أيضاً بالياء، وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بالتاء {كَمَا تَقُولُونَ} على الخطاب؛ والسبيل هو طريق الطاعة والقربة أو طريق المغالبة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الابتغاء: الطلب الشديد، بغى الشيء يبغيه إذا طلبه، وابتغاه على وزن افتعل للمبالغة في الطلب.
السَّبيل: الطريق والمسلك، ويذكر ويؤنث، والمراد به هنا: طريق القربة والطاعة أو مسلك المغالبة والقهر.
{إِذًا}: حرف جواب وجزاء مهمل لا يعمل لوقوعه بعد لو.
اللام واقعة في جواب {لَوْ}.
{ابْتَغَوْا}: فعل ماض مبني على ضم مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعل.
{إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ}: جار ومجرور متعلق بـ {ابْتَغَوْا}، و{ذِي} مجرور بالياء لأنه من الأسماء الخمسة، و{الْعَرْشِ} مضاف إليه.
{سَبِيلًا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة جواب الشرط لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من التوبيخ إلى البرهان العقلي: بعد أن وبخهم على نسبة البنات لله، وعلى نفورهم من القرآن، تحداهم بالحجة العقلية الجدلية التي تفحم كل مشرك؛ مستعملاً أسلوب الافتراض الجدلي {لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ}.
اختيار الوصف بـ {ذِي الْعَرْشِ}: لم يقل "إلى الله" بل قال {إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ}؛ لأن العرش أعظم المخلوقات وأعلى سقف الوجود ومظهر الملك التام؛ فالإله الحق هو المتصرف في هذا العرش المهيمن على سائر الأكوان؛ فأين تلك الأصنام والأنداد الحقيرة من هذا الجلال؟!
التمهيد للتسبيح والتنزيه في الآية التالية: لما قرر امتناع وجود الآلهة ومحال دعواهم، ناسب أن يعقب بتنزيه ذاته المقدسة فقال: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تعدد الشركاء وتكامل الأدوار الإلهية:
يزعم بعض أصحاب الملل الوثنية (كالفلسفات الشركية) أن تعدد الآلهة يمثل تكاملاً؛ فإله للحب، وإله للحرب، وإله للمطر!
المحاكمة العقلية لبرهان التمانع:
الألوهية تقتضي القدرة المطلقة والاستغناء التام والغلبة؛ فلو كان هناك إلهان حقيقيان، فإما أن يتفقا أو يختلفا:
إن اختلفا وأراد أحدهما إحياء شخص وأراد الآخر إماتته: فإن نفذت إرادتهما معاً اجتمع النقيضان وهو مستحيل عقلاً؛ وإن عجز كلاهما خرجا عن الألوهية؛ وإن نفذت إرادة أحدهما دون الآخر، فالغالب هو الإله الحق والمهزوم عاجز لا يصلح رباً.
وإن اتفقا وخضع أحدهما للآخر أو طلبا القربة لذي العرش، فالأعلى القاهر هو الإله الواحد وسائر الآلهة عبيد مفتقرون إليه؛ وبهذا يبطل الشرك عقلاً ويثبت التوحيد التام.
أسلوب الشرط بـ {لَوْ} المقتضي للامتناع: دل بوضوح على أن وجود آلهة معه ممتنع امتناعاً مطلقاً، وترتب على هذا الامتناع امتناع طلب السبيل للمنازعة.
التنكير في {سَبِيلًا}: لإفادة العموم؛ أي أي سبيل وأي طريق للمغالبة أو للتقرب؛ فلو وجدوا أدنى طريق لسلكوه؛ وحيث لم يجدوا فدل على انعدام وجودهم أصلاً.
الإشارة والتدبر: إذا كان ملوك الدنيا يتنازعون الكراسي الزائلة ويهلكون الرعايا من أجل البقاء في السلطة، فكيف يستقر هذا الكون الشاسع بمجراته وأفلاكه وذراته في منتهى الدقة والانسجام لولا أن مدبره واحد فرد صمد؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تدريب الدعاة على استعمال البراهين العقلية ومخاطبة العقول بالمنطق الفطري الصريح لإسقاط الأوهام الوثنية المعاصرة (كعبادة المادة والأشخاص).
التوجيه التربوي: غرس اليقين بأن القوة والملك لله وحده؛ فلا يخشى المؤمن رئيساً ولا جباراً؛ لأن الجميع مربوبون لذي العرش سبحانه وتعالى.
الأثر الوجداني: يسكن قلب المؤمن ويطمئن لعلمه بأن الكون كله بيد رب واحد رحيم حكيم، فلا يتشتت ولاء قلبه بين أنداد وأرباب متفرقين: {أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}.