روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص186) بإسناده عن ابن عباس ومجاهد والضحاك في قوله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ}: أي يسقطون على وجوههم ساجدين تنهمر دموعهم من خشية الله وما عرفوا من حقه وتصديق كتابه، {وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا}: ويزيدهم هذا القرآن وسماعه وتدبره رقة وتواضعاً وخضوعاً لله عز وجل.
ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص131): "وقوله: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ}: أي خضوعاً لله عز وجل وإيماناً وتصديقاً بكتابه ورسوله، {وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا}: أي إيماناً واستسلاماً؛ كما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'اقرأ عليّ القرآن'، قلت: أقرأ عليك وعليك أُنزل؟! قال: 'إني أحب أن أسمعه من غيري'، فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت هذه الآية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا}، قال: 'حسبك الآن'، فالتفت فإذا عيناه تذرفان".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص344): "هذه الآية مدح عظيم للباكين من خشية الله عند تلاوة القرآن وسماعه، وهي موضع سجدة بإجماع العلماء؛ فمن قرأها أو استمع إليها استحب له السجود خضوعاً واقتداءً بهؤلاء الصالحين".
وأشار الشيخ السعدي في تيسير الكريم الرحمن (ص469): "البكاء من خشية الله والخشوع التام من أعظم صفات أهل العلم الحقيقيين، فالقرآن يزيد القلوب الحية رقة وخشوعاً وإيماناً، بخلاف القلوب القاسية التي لا تزيدها المواعظ إلا عتواً ونفوراً".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص344)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٤٤*تيسير الكريم الرحمن* (ص469)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٦٩*جامع البيان* (ج15، ص186)جامع البيانالطبري١٥/١٨٦*تفسيره* (ج5، ص131)مصدر غير محدد٥/١٣١
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لِلْأَذْقَانِ}: جار ومجرور متعلق بيخرون، واللام للاختصاص أو بمعنى على.
{يَبْكُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الفاعل في يخرون.
{وَيَزِيدُهُمْ}: الواو عاطفة، يزيد فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (يعود على القرآن أو سماعه)، والهاء مفعول به أول في محل نصب، والميم للجمع.
{خُشُوعًا}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة (أو تمييز)، والخشوع: الخضوع والتذلل وسكون الجوارح ورقة الفؤاد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج النفسي والمعماري البديع في الآيات الثلاث (107 - 108 - 109):
تناسق متدرج يأخذ بمجامع القلوب عبر ثلاث مراحل إيمانية:
المرحلة الأولى (107): الخرور والسجود الحركي للتعظيم والانقياد للحق {يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا}.
المرحلة الثانية (108): التسبيح اللساني والإقرار باليقين التاريخي والعقلي {وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا}.
المرحلة الثالثة (109): الذروة الوجدانية الروحية التي تفيض فيها الأعين بالدموع، وتتلاشى فيها النفس بكليتها خشوعاً وإخباتاً {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا}.
هذا المعمار البلاغي يصور ارتقاء الروح الإنسانية في محراب التنزيل درجة بعد أخرى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع توهم التكرار اللفظي في قوله {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ}:
السؤال: لماذا كرر القرآن جملة {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ} مرتين بينهما آية واحدة؟
المحاكمة البيانية والعقلية:
هذا ليس تكراراً محضاً، بل هو "تأسيس لمعنى جديد وأرقى"؛ فالخرور الأول كان مقروناً بهيئة السجود المجرد {سُجَّدًا}، بينما الخرور الثاني مقيد بالحال الوجدانية العميقة وهي البكاء {يَبْكُونَ}.
بيان استمرار تلك الحالة وتجددها؛ فكلما تليت عليهم آية أحدثت فيهم سجوداً جديداً وبكاءً متجدداً، فالتكرار اللفظي يطابق تكرار الفعل الروحي في محراب التلاوة.
وفصل بينهما بمقولهم في التسبيح ليدل على أن هذا البكاء لم يكن انفعالاً عاطفياً ساذجاً مجهول المصدر، بل هو بكاء ناتج عن تسبيح ومعرفة عقلية راسخة بصدق الوعد الإلهي.
استعمال الفعل المضارع {يَبْكُونَ} و{يَزِيدُهُمْ}: لإفادة التجدد والاستمرار؛ فخشوعهم ليس نزوة عابرة، بل حالة دائمة تتجدد وتنمو مع كل آية.
البكاء من خشية الله كأعلى درجات الصدق الإنساني: الدمع ترجمان القلب الرقيق، وحين يمتزج بالسجود والخشوع يكون العبد أقرب ما يكون إلى رحمة الله ورضوانه.
الإشارة والتدبر: علامة استقرار الإيمان في القلب أن ينتقل أثر القرآن من الأذن إلى العقل، ومن العقل إلى الوجدان، ومن الوجدان إلى فيضان العين بالدموع وخضوع الجوارح بالسجود.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: توجيه الناس إلى تلاوة القرآن بتدبر وترتيل يحرك السواكن ويوقظ القلوب الغافلة، وبيان أن البكاء في الصلاة والخلوات دأب الأنبياء والصالحين.
التوجيه التربوي: العمل بسنة سجود التلاوة عند المرور بهذه الآية الكريمة، وتربية النفوس على استشعار معاني الخشية والتواضع.
الأثر الوجداني: يفيض القلب بالسكينة والخشوع، وترق النفس وتدمع العين اشتياقاً للقاء الله ومحبته وتعظيماً لكلامه.