دعاء الهجرة والتمكين والصدق في البدايات والنهايات وطلب التأييد بالسلطان العادل الناصر للحق:
يعلم الله جل ثناؤه نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم دعاءً جامعاً عظيماً؛ عند مشارف خروجه من مكة وانتقاله إلى المدينة المنورة؛ قل داعياً متضرعاً: يا رب أدخلني فيما وليتني من أمرك وفي دار هجرتي (المدينة) مدخل صدق مقروناً بالرضا والبركة والطاعة، وأخرجني من مكة مخرج صدق آمناً من كيد الأعداء بريئاً من أي مطمع دنيوي، واجعل لي من عندك حجة ظاهرة ودولة قوية وسلطاناً ناصراً يؤيد ديني ويقمع أعداءك وينصر الحق ويقيم الحدود.
تفسير الطبري (14/ 576)مصدر غير محدد١٤/٥٧٦: يروي الطبري عن ابن عباس وقتادة والحسن ومجاهد: نزلت حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة؛ {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ}: أدخلني المدينة مدخل صدق بالكرامة والنصرة والإيمان، {وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ}: أخرجني من مكة مخرج صدق بالسلامة وحفظ الدين؛ وقيل: أدخلني القبر مدخل صدق وأخرجني بالبعث مخرج صدق؛ وقيل: هو في كل تصرف يدخل فيه العبد ويخرج منه؛ {وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا}: قال قتادة والحسن: «علم نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان وقوة؛ فسأل الله سلطاناً نصيراً لكتابه، ولحدوده، ولفرائضه، ولإقامة دينه؛ فإن السلطان رحمة من الله جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض وأكل شديدهم ضعيفهم».
تفسير ابن كثير (5/ 80)مصدر غير محدد٥/٨٠: يقرر الحافظ ابن كثير أن هذا دعاء جامع لكل مؤمن في كل شأن من شؤونه؛ أن يجعل الله مداخله ومخارجه كلها على الصدق والإخلاص والتوكل، وأن يؤيده بسلطان وقوة تنصر الحق؛ وقد استجاب الله دعاء نبيه؛ فخرج من مكة ظافراً مؤيداً، ودخل المدينة معززاً مكرماً، وأقام دولة الإسلام العادلة.
القرطبي (10/ 361)مصدر غير محدد١٠/٣٦١: يذكر القرطبي أن المدخل والمخرج مصدران ميميان أو اسما مكان؛ وإضافتهما إلى "الصدق" مبالغة في كمال الإخلاص والسلامة من النفاق والرياء والشك؛ والسلطان النصير هو القوة المؤيدة بالحجة والمنعة العسكرية والحكم العادل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
مُدْخَل ومُخْرَج: بضم الميم وفتح الخاء، مصدران ميميان من أَدْخَلَ وأَخْرَجَ، أو اسما مكان للدخول والخروج.
الصِّدْق: مطابقة القول للواقع وللضمير، ويستعمل في الأعيان والأفعال للدلالة على كمالها ورسوخها وصحتها وخلوها من الفساد والخلل؛ كقولهم: رجل صدق، وقدم صدق.
السُّلْطَان النَّصِير: الحجة الباهرة الظاهرة، أو الدولة والقوة والشوكة السياسية والعسكرية التي تنصر الحق وتقمع الباطل.
إعراب {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ}:
الواو عاطفة، {قُل}: فعل أمر، والفاعل مستتر أنت.
{رَّبِّ}: منادى محذوف منه حرف النداء منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء مضاف إليه.
{أَدْخِلْنِي}: فعل دعاء مبني على السكون، والنون للوقاية، والياء مفعول به أول، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{مُدْخَلَ}: مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة (أو مفعول به ثانٍ على السعة، أو ظرف مكان).
الواو عاطفة، {اجْعَل}: فعل دعاء، والفاعل مستتر أنت.
{لِّي}: جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثانٍ مقدم لـ {اجْعَل}.
{مِن لَّدُنكَ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من {سُلْطَانًا}، والكاف مضاف إليه.
{سُلْطَانًا}: مفعول به أول مؤخر منصوب بالفتحة الظاهرة.
{نَصِيرًا}: نعت منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التتويج العملي للتهجد والاستعداد للهجرة الكبرى: لما تهجد بالليل واستقر في روحه النور الإلهي، أمره الله بهذا الدعاء المبارك ليكون بوصلة تحركه القادم؛ فالهجرة لم تكن فراراً من المعركة بل كانت انتقالاً استراتيجياً لبناء دولة التوحيد.
الجمع بين الصدق في البدايات والنهايات:
البداية: {أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ}.
النهاية: {وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ}.
فأحاط كل شؤونه وحركاته بالصدق؛ ليعلم المسلم أن أي عمل لا يبنى على الصدق والإخلاص فهو هباء منثور.
التكامل بين "الحق" و"القوة الحامية له": طلب {سُلْطَانًا نَّصِيرًا} بعد الصدق؛ لأن الحق الأعزل في دنيا الناس قد يداس إذا لم تحمه قوة عادلة وسلطان باطش يحمي بيضة الدين ويقيم العدالة؛ فكانت الآية ممهدة لإعلان النصر التام في الآية التالية (81): {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا يطلب النبي صلى الله عليه وسلم "السلطان" وهو صاحب دعوة روحية؟:
يزعم العلمانيون والمستشرقون أن الإسلام كان يجب أن يبقى ديناً كهنوتياً روحياً بغير دولة ولا سلطان سياسي!
المحاكمة العقلية والتشريعية البالغة لأهمية الدولة في الإسلام:
الدين بغير سلطان يحميه يظل حبيس الزوايا والمساجد ومهدداً بالاستئصال على يد الطغاة والمجرمين؛ فالسلطان النصير ضرورة عقلية وتشريعية لحفظ النظام العام، وحماية المستضعفين، وإقامة الحدود، وردع الظالمين؛ ولذلك قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: «إِنَّ اللَّهَ لَيَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لاَ يَزَعُ بِالقُرْآنِ»؛ فطلب السلطان النصير لم يكن طلباً للملك والجاه الدنيوي، بل كان طلباً لتمكين شريعة الله ونشر العدل في الأرض.
إضافة المدخل والمخرج إلى {صِدْقٍ}: إضافة تفيد التمكين والبركة والنقاء؛ فالصدق حارس العمل، وما دخل الصدق في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه.
تقييد السلطان بـ {مِن لَّدُنكَ}: للدلالة على أن السلطان المطلوب هو المؤيد بمدد الله وتوفيقه، الخالص من شوائب الهوى والاستبداد والطغيان.
الإشارة والتدبر: اجعل هذا الدعاء وردك اليومي عند كل عمل، وكل وظيفة، وكل سفر، وكل مشروع تبدأ به؛ "اللهم أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق"؛ لتكون بداياتك مباركة ونهاياتك سالمة، ومحفوظاً بمعية الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: الجمع بين التربية الإيمانية وبناء القوة المؤسسية والسياسية؛ فالأمة تحتاج إلى قوة عادلة تحمي مقدساتها وتنشر رسالتها وتمنع الاعتداء على حقوقها.
التوجيه التربوي: غرس الصدق كقيمة مركزية في كل حركة وسكنة؛ فالمؤمن يدخل بصدق ويخرج بصدق ويتعامل بصدق.
الأثر الوجداني: يلهج قلب المؤمن بالدعاء الخاشع إلى ربه، مفوضاً إليه مداخله ومخارجه، وسائلاً إياه النصر والتأييد في كل ثغر من ثغور الحياة.