محاولة فرعون استئصال موسى وقومه ومصيره الغرق المحتوم:
روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص173) بإسناده عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: قوله تعالى: {فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ}: أراد فرعون لما غلبه موسى بالحجة والآيات أن يُجلي موسى وبني إسرائيل ويطردهم ويستأصلهم من أرض مصر، {فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا}: فعاقبه الله بنقيض قصده، ودمره وجنوده الذين شايعوه على كفره وبغيه في البحر الأحمر، فلم يبق منهم عين تطرف.
ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص127): "أراد فرعون أن يخرجهم من أرض مصر ويزيلهم عنها بالقتل أو الإجلاء، فقدر الله غير ما أراد، وأورث بني إسرائيل ديارهم وأموالهم، وأغرق فرعون وجنوده جميعاً في صبيحة واحدة، وكان ذلك عبرة للمكذبين".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص339): "الاستفزاز: الاستخفاف والإزعاج والإخراج بالشدة والقهر؛ يقال: استفزه إذا أزعجه من مكانه وطرده، واللام في {الْأَرْضِ} للعهد؛ أي: أرض مصر. وقيل: هذا تعريض بمشركي قريش الذين هموا بإخراج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة؛ فتحذير لهم بأن مصيرهم سيكون كمصير فرعون وجنوده".
وجاء في تفسير السعدي (ص468): "هذه سنة الله فيمن حارب أولياءه؛ يريد المستكبر إبادة أهل الإيمان، فيجعل الله تدبيره تدميراً عليه، وينصر الله جنده في اللحظة الحاسمة".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص339)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٣٩*جامع البيان* (ج15، ص173)جامع البيانالطبري١٥/١٧٣*تفسير السعدي* (ص468)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٦٨*تفسيره* (ج5، ص127)مصدر غير محدد٥/١٢٧
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب واللغة:
{فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم}: الفاء عاطفة سببية، وأراد فعل ماض فاعله مستتر يعود على فرعون، وأن حرف مصدري ونصب، ويستفزهم فعل مضارع منصوب بالفتحة والهاء مفعول به والفاعل مستتر، والمصدر المؤول {أَن يَسْتَفِزَّهُم} في محل نصب مفعول به لأراد.
{مِّنَ الْأَرْضِ}: جار ومجرور متعلق بيستفزهم، والاستفزاز مشتق من الفَزّ وهو الخفة والإزعاج، واستفزه: أخرجه بخفة وقهر.
{فَأَغْرَقْنَاهُ}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب والترتيب والسببية، وأغرقناه فعل ماض مبني على السكون ونا الفاعلين، والهاء مفعول به.
{وَمَن مَّعَهُ}: الواو عاطفة (أو واو المعية)، ومن اسم موصول معطوف على الهاء أو مفعول معه، ومعه ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول.
{جَمِيعًا}: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة، جيء بها لتوكيد الشمول والاستيعاب، لبيان أنه لم ينجُ منهم أحد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية والإنذار الضمني لقريش:
التناسب مع الآية السابقة: بعد أن تنبأ موسى عليه السلام بأن فرعون "مثبور" هالك، سجلت هذه الآية وقوع ذلك الهلاك الفعلي عياناً وبأسرع مما يتخيلون؛ تصديقاً لكلمة رسول الله موسى ووفاءً بوعد الله.
التناسب مع واقع السيرة النبوية المكية: كانت قريش في تلك المرحلة تفكر في التخلص من النبي صلى الله عليه وسلم إما بنفيه وطرده أو بحبسه أو قتله، فجاءت هذه الآية كرسالة تحذير مدوية: إن أقدمتم على استفزاز الرسول وإخراجه فاعلموا أن سنة الله الساحقة ستغرقكم وتدمركم كما أهلكت فرعون وجنوده.
التمهيد لوراثة المستضعفين للأرض في الآية اللاحقة {اسْكُنُوا الْأَرْضَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سنة الاستئصال والمكر المعاكس (المحاكمة التاريخية والسننية):
التحليل السنني لمنطق الطغيان والدفاع الإلهي:
المستبد حين تعييه الحجج الفكرية ويلجأ إلى "الحل الأمني والاستئصال الجبري"، يظن أنه ملك الأرض وأمسك بزمام الأمور بمجرد امتلاكه أدوات القوة المادية والبطش.
الإرادة الإلهية النافذة تقلب مكر الطاغية عليه من حيث لا يحتسب؛ ففرعون الذي خرج بجيشه الجرار لحصار فئة مستضعفة من بني إسرائيل في زاوية البحر ليذبحهم، صار البحر نفسه هو المقبرة المائية التي ابتلعته وجنوده في لحظات معدودة؛ مما يثبت عقلياً وتاريخياً أن القوة المادية عاجزة أمام إرادة رب الأرباب.
الإيجاز بالحذف وسرعة التعقيب: في قوله: {فَأَرَادَ... فَأَغْرَقْنَاهُ} حذفت تفاصيل الخروج وملاحقة بني إسرائيل وانفلاق البحر، وجيء بالفاء العاطفة مرتين لبيان سرعة الانتقال من إرادة الطاغية الباغية إلى البطش الإلهي الساحق.
التأكيد بـ {جَمِيعًا}: لقطع دابر الشك في بقاء أي فرد من أعوان الطاغية المعتدين؛ فالظلم الجماعي استحق إهلاكاً جماعياً عادلاً.
المقابلة البليغة بين "الإرادة البشرية القاصرة" و"الفعل الإلهي النافذ": {أَرَادَ} هو بمفرده، بينما جاء الرد الإلهي بصيغة الجمع المعظم للذات العلية: {فَأَغْرَقْنَاهُ}.
الإشارة والتدبر: كم من طاغية دبر بليل لإخراج أولياء الله واستئصالهم، فكان تدبيره هو حبل مشنقته وغرقه! فتوكل على الله ولا تجزع من مؤامرات أهل الباطل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تثبيت الجماعة المؤمنة في أوقات التضييق والملاحقة؛ فكلما ضاقت سبل الأرض واستكبر أهل الباطل، كان فرج السماء ونصره أقرب ما يكون.
التوجيه التربوي: تربية القلوب على الخوف من عقوبة مسايرة الظالمين؛ فإن الله أغرق فرعون {وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا}، فمن شايع الظالمين ورضي بأفعالهم حقت عليه عقوبتهم.
الأثر الوجداني: يغمر القلب طوفان من الطمأنينة والسكينة بحفظ الله ورعايته، وتصغر في أعين المؤمن كل قوى الأرض وجيوشها أمام بأس الله العظيم.