يقرر الله جل وعلا أن تدبير الأرزاق بين العباد توسعة وتضييقاً إنما يجري وفق مشيئته التابعة لحكمته المطلقة وعلمه التام بطبائع خلقه؛ فيبسط الرزق لمن يشاء من عباده غنى وسعة لما يعلم من صلاحه بالغنى، ويقدر ويضيق على من يشاء كفافاً وفقراً لما يعلم من صلاحه بالفقر، وهو سبحانه خبير ببواطن عباده بصير بأعمالهم.
تفسير الطبري (14/ 457)مصدر غير محدد١٤/٤٥٧: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد: يخبر تعالى نبيه أن بسط الرزق وتقتيره ليس لكرامة عبد ولا لهوانه، بل بحكمته وتدبيره في خلقه؛ فإنه يبسط الرزق لمن يشاء امتحاناً له بالشكر، ويقدر عليه أي يضيقه امتحاناً له بالصبر، وهو خبير بما يصلح كل عبد من فقر أو غنى، بصير بمآلات أمورهم.
تفسير ابن كثير (5/ 47)مصدر غير محدد٥/٤٧: يوضح ابن كثير أن في الآية إرشاداً إلى أن الله هو الرزاق المتصرف في خلقه؛ فلو أغنى جميع عباده لبغوا في الأرض كما قال تعالى في سورة الشورى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ}؛ ولذلك يعطي كل إنسان ما يلائم حكمة تدبيره.
القرطبي (10/ 271)مصدر غير محدد١٠/٢٧١: يذكر القرطبي أن {يَقْدِرُ} معناه يضيق ويقتر بقدر الكفاية لحكمة بالغة لا تخفى على الخبير البصير.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{بِعِبَادِهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {خَبِيرًا}.
{خَبِيرًا}: خبر {كَانَ} أول منصوب بالفتحة الظاهرة.
{بَصِيرًا}: خبر ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة كان واسمها وخبرها في محل رفع خبر {إِنَّ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التعليل والربط مع آية النهي عن الإسراف والبخل: لما أمر العباد بالاعتدال في الإنفاق ونهاهم عن بسط اليد كل البسط أو غلها، ذكر هنا أنه هو المتفرد ببسط الرزق الحقيقي وتضييقه في الكون؛ ليعلم الإنسان أن سعيه وإنفاقه لا يغيران من أقدار الله المكتوبة؛ فالمسرف لن يستطيع أن يغني الناس كلهم ببسط يده، والبخيل لن يزيد في رزقه بإمساكه؛ فالأرزاق بيد الله تعالى مقسومة بحكمة.
المقابلة التامة بين {يَبْسُطُ} و{يَقْدِرُ}: جمع بين الفعلين المتضادين لإظهار كمال القدرة والتصرف في الملك وتنوع الابتلاء بين السعة والضيق.
التذييل بـ {خَبِيرًا بَصِيرًا}: تأكيد على أن توزيع الأرزاق قائم على علم كاشف للسرائر والبواطن (خبيراً)، ورؤية محيطة بالأعمال والظواهر (بصيراً)؛ فليس في العطاء محاباة، ولا في المنع ظلم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الربط بين سعة الرزق ورضا الله ومحبته:
قد يظن الجاهل أن بسط الرزق للكافر أو الفاسق دليل على رضوان الله عنه، وأن تضييقه على المؤمن دليل على سخطه عليه!
البرهان والرد القرآني الحاسم: الرزق الدنيوي يدور مع المشيئة والابتلاء لا مع المحبة والكرامة؛ كما قال تعالى في سورة الفجر: {فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا}؛ فكلا الأمرين ابتلاء واختبار؛ فالله قد يضيق الرزق على أنبيائه وأوليائه حمية وصيانة لقلوبهم ورفعاً لدرجاتهم، ويبسطه لفرعون وقارون استدراجاً وإملاءً؛ فالمعيار الحقيقي هو التقوى وصلاح الدين.
أسلوب التوكيد المزدوج بـ {إِنَّ} في أول الآية وآخرها: لقطع الشكوك وبث السكينة واليقين التام في قلوب المؤمنين برزق الله وتدبيره.
صيغة المضارع في {يَبْسُطُ} و{يَقْدِرُ}: تدل على الاستمرار والتجدد في تصريف أرزاق الخلائق لحظة بلحظة.
الإشارة والتدبر: ارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس؛ فلو كُشف لك الغيب لعلمت أن ما أنت فيه من ضيق أو سعة هو أصلح شيء لدينك وقلبك؛ فسلم أمرك للخبير البصير.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تثبيت الفقراء والمبتلين، وتذكير الأغنياء بحقوق الله في أموالهم؛ لئلا يطغى الغني بماله، ولا يقنط الفقير من رحمة ربه.
التوجيه التربوي: غرس اليقين والتوكل في نفوس الأجيال؛ فلا تذل رقابهم في طلب الرزق لغير الله، ولا يطلبون الرزق بمعصية من بيده مفاتيح الرزق.
الأثر الوجداني: يغمر القلب رضا وتسليم وانشراح تام؛ فالمعطي هو الله، والمانع هو الله، وتدبيره لعبده خير من تدبير العبد لنفسه.