إعلان النصر التام واندحار الشرك وزهوق الباطل وسقوط الأصنام حول الكعبة:
يعلن الحق سبحانه وتعالى البشارة العظمى بظهور دينه وانتصار توحيده على سائر الأديان؛ قل يا محمد للمشركين والعالم أجمع: جاء دين الله الحق والقرآن والتوحيد والعدل، واضمحل وهلك وفني الشرك والأوثان والباطل؛ فإن من طبيعة الباطل وسنته الكونية أنه زائل مضمحل لا ثبات له أمام شمس الحق الساطعة.
تفسير الطبري (14/ 579)مصدر غير محدد١٤/٥٧٩: يروي الطبري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ، وَحَوْلَ البَيْتِ ثَلاَثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُباً (صنماً)، فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ، وَيَقُولُ: {جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}، {جَاءَ الحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ البَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ}، فما أشار إلى صنم منها إلا خر لوجهه مقلوباً صريعاً».
تفسير ابن كثير (5/ 80)مصدر غير محدد٥/٨٠: يقرر الحافظ ابن كثير أن هذا إخبار حق وبشارة نبوية تحققت يوم فتح مكة؛ حين طهر الله بيته الحرام من أرجاس الأصنام؛ والباطل وإن ظهرت له صولة مؤقتة فإنه سريع الزوال كالزبد؛ كقوله تعالى في سورة الأنبياء: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}.
القرطبي (10/ 363)مصدر غير محدد١٠/٣٦٣: يذكر القرطبي أن زَهَقَ معناه هلك واضمحل وبطل وخرجت روحه؛ والزهوق هو الكثير الزوال والاضمحلال؛ فالحق أصيل ثابت والباطل دخيل طارئ محكوم عليه بالفناء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{كَانَ}: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر تقديره هو.
{زَهُوقًا}: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة كان خبر {إِنَّ}، وجملة إن تعليلية لمقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تحقق النصر بعد طلب "السلطان النصير": في الآية السابقة علم نبيه الدعاء: {وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا}، فجاءت هذه الآية معلنة النتيجة الكبرى لهذا السلطان النصير: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ}؛ ليعلم أن النصر ثمرة حتمية للصدق والتأييد الإلهي.
المقابلة التامة بين المبتدأ والمنتهى:
مجيء الحق: ظهور، ونور، وثبات، ورسوخ.
زهوق الباطل: تهاوٍ، وموت، واضمحلال، وزوال.
التعليل المحكم لطبيعة الباطل: ذيل الآية بـ {إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}؛ لبيان أن فناء الباطل ليس حادثاً عرضياً، بل هو قانون بنيوي أصيل في طبيعة الباطل نفسه؛ فالباطل هش كبيت العنكبوت لا يملك مقومات البقاء الذاتي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا يستمر الباطل أحياناً وتطول جولاته في التاريخ؟:
يتساءل البعض: إذا كان الباطل زهوقاً بطبعه، فلم نرى دول الكفر والظلم تعمر قروناً وتنتصر في بعض المعارك؟!
المحاكمة العقلية والسننية:
الباطل كالجراثيم، لا تنشط وتنتفخ إلا إذا غاب الحق وتكاسل أهله وضعفت مناعة المجتمع الإيمانية؛ وصولات الباطل إنما هي استدراج وابتلاء وتمحيص ليميز الله الخبيث من الطيب؛ فإذا قام أهل الحق بواجب البلاغ والجهاد والتضحية بالصدق والسلطان النصير، تهاوى الباطل كالرماد؛ فالآية وعد مشروط بمجيء الحق وظهوره وعمل أهله، وحينئذٍ يتحقق الزهوق الحتمي.
التعبير بالفعل الماضي {جَاءَ} و{زَهَقَ}: لتحقيق الوقوع وتأكيده؛ فكأن النصر واقع مشهود يراه المؤمن بعينيه قبل أن يتحقق في عالم الحس.
صيغة المبالغة {زَهُوقًا} واستعمال {كَانَ}: إشعار بأن الزهوق صفة أزلية ذاتية ملازمة للباطل في كل زمان ومكان.
الإشارة والتدبر: كل باطل تعيشه في نفسك (من شك، أو شهوة، أو معصية) هو باطل زهوق؛ فإذا أقبلت على القرآن بصدق جاء نور الحق في قلبك وزهق ظلام الباطل، فاستفتح يومك بمجيء الحق ليزهق باطل نفسك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: زرع الأمل واليقين بحتمية اندحار التيارات الهدامة والإلحادية؛ فالباطل مهما زخرف إعلامه فهو زاهق ميت لا روح فيه.
التوجيه التربوي: تربية النفوس على الثقة المطلقة بموعود الله، والعمل الإيجابي لتمكين الحق بدلاً من البكاء على واقع الهزيمة.
الأثر الوجداني: يمتلئ وجدان المؤمن استبشاراً وفرحاً وعزة، ممتثلاً هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطهر البيت الحرام هاتفاً: «جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً».