رجوع الدولة والغلبة لبني إسرائيل بعد التوبة والندم:
يخبر الله تبارك وتعالى أنه بعد أن أذاق بني إسرائيل وبال إفسادهم الأول وسامهم بختنصر سوء العذاب وسلبهم ملكهم؛ أنابوا وندموا وتابوا إلى الله، فرحمهم الله وأعاد لهم الغلبة والكرّة على أعدائهم، وأمدّهم بأسباب القوة من الأموال والنسل حتى تكاثروا وعادوا أعز نفراً.
تفسير الطبري (14/ 404)مصدر غير محدد١٤/٤٠٤: يروي ابن جرير عن قتادة ومجاهد والضحاك: ثم رددنا لكم الغلبة والدولة على هؤلاء الذين جاسوا خلال دياركم بعد مائة سنة من السبي البابلي، حين تاب من بقي منكم وراجعوا التوراة، فأهلك الله بختنصر ودولته بملوك الفرس المؤيدين لبني إسرائيل (كقورش)، فردوا إلى بيت المقدس، وبنوا المسجد، وأمدهم الله بالأموال والأولاد، وجعلهم أكثر جمعاً وعدداً مما كانوا عليه قبل السبي.
تفسير ابن كثير (5/ 27)مصدر غير محدد٥/٢٧: يؤكد الحافظ ابن كثير أن إمدادهم بالأموال والبنين وجعلهم أكثر نفيراً كان استدراجاً واختباراً جديداً؛ ليرى كيف يشكرون النعمة بعد المحنة، وهل يستقيمون على شريعة الله أم يعودون إلى البغي والفساد.
القرطبي (10/ 225)مصدر غير محدد١٠/٢٢٥: يوضح القرطبي أن الكرّة هي الدولة والرجعة؛ يقال كر عليه كراً إذا عاد إليه وحمل عليه بعد انصرافه، والنفير هم من ينفر مع الرجل من أهله وعشيرته وقومه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الكَرَّة: الرجعة والغلبة في الحرب، وهي المرة الواحدة من الكَرّ ضد الفَرّ، يقال: دارت لهم الكرّة على عدوهم إذا تحول النصر إليهم بعد الهزيمة.
النفير: جمع نافر، وهم الذين ينفرون معه للقتال والنصرة من الأهل والأصحاب، أو هو اسم جمع بمعنى القوم المنتدبين للحرب، من النفر وهو الخروج السريع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التراخي الزماني والسنني بـ {ثُمَّ}: استخدام {ثُمَّ} للإشارة إلى مضي زمن طويل وأجيال متعددة بين نكبة السبي والتدمير وبين نهوض الأمة من جديد؛ للدلالة على أن سنن الله في بناء الأمم واسترداد عافيتها تحتاج إلى مسار تراكمي وتوبة صادقة وتغيير ما بالأنفس.
عناصر القوة المتكاملة: حصر النظم مقومات النهوض الدنيوي في ثلاثة أركان رئيسة:
القوة المالية والاقتصادية {بِأَمْوَالٍ}.
القوة البشرية والديمغرافية {وَبَنِينَ}.
القوة الاجتماعية والعسكرية والتعبوية {أَكْثَرَ نَفِيرًا}.
التمهيد للاختبار الحاسم: ذكر رد الكرة والإمداد بالثروة والعدد توطئة للآية التالية التي تقرر قاعدة المسؤولية الأخلاقية والجزاء؛ لئلا يغتروا بهذه القوة العارضة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نسبة النصر والتمكين لبني إسرائيل مع سابق كفرهم:
كيف يمنح الله بني إسرائيل القوة والمال بعد إفسادهم وقتلهم الأنبياء؟
المحاكمة العقلية والسننية: الله تعالى حكيم في تدبير كونه؛ فبنو إسرائيل حين أذلهم بختنصر لجؤوا إلى التضرع والتوبة، وسنة الله أن يقبل توبة من تاب ويزيل كرب من استجار به في الدنيا؛ ثم إن هذا التمكين كان ابتلاءً وامتحاناً جديداً؛ فالأيام دول بين الناس، والرخاء ابتلاء كما أن الشدة ابتلاء؛ ليتميز الشاكر من الباغي.
إسناد الفعل إلى ضمير العظمة {رَدَدْنَا} و{أَمْدَدْنَاكُم} و{جَعَلْنَاكُمْ}: تنبيه قاطع إلى أن عودتهم للغلبة لم تكن بقوتهم الذاتية ولا بدهائهم العسكري، بل كانت فضلاً وتدبيراً إلهياً محضاً؛ فكان الواجب يقتضي مقابلة هذا الفضل بالخضوع والشكر.
صيغة التفضيل في {أَكْثَرَ نَفِيرًا}: لبيان أن وفرتهم العددية بلغت حداً فاق ما كانوا عليه سلفاً، مما يعظم الحجة عليهم إن عادوا للفساد.
الإشارة والتدبر: القوة الاقتصادية والبشرية سلاح ذو حدين؛ إن استخدم في طاعة الله كان عزة وتمكيناً، وإن استخدم في البغي والاستعلاء كان وقوداً لهلاك جديد أشد نكالاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تعليم الشعوب والأمم أن الهزائم العسكرية ليست نهاية التاريخ؛ فإذا تابت الأمة المغلوبة وراجعت دينها وأخذت بأسباب القوة أمكنها أن تسترد كرتها وتستعيد مكانتها الحضارية.
التوجيه التربوي: الحذر من فتنة الكثرة والمال؛ فالأموال والبنين زينة الحياة الدنيا، والاعتماد عليها وحدها دون تقوى الله يقود إلى الغرور والانتكاسة.
الأثر الوجداني: يستشعر المؤمن عظمة تصريف الله لأحوال الممالك والدول، فكل دولة لها أجل، وكل تمكين مرهون بطاعة المنعم وامتثال شرعه.