ثبات القوانين التاريخية والسنن الإلهية في نصرة الرسل وإهلاك الأمم المكذبة:
يقرر الحق سبحانه وتعالى أن هلاك الأمة التي تخرج نبيها أو تقتله هو سنة ربانية ماضية وقانون تاريخي ثابت مطرد جرى على جميع الرسل السابقين (كنوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب)؛ فكل أمة كذبت رسولها وسعت في إخراجه أهلكها الله عاجلاً؛ ولن تجد لسنة الله وقضائه أي تبديل أو تغيير أو تحويل؛ لأن سنن الله تجري بمقتضى الحكمة والعدل الأزلي.
تفسير الطبري (14/ 566)مصدر غير محدد١٤/٥٦٦: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد وابن عباس: {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا}: أي كسنتنا وطريقتنا وعادتنا فيمن أرسلنا قبلك من الرسل؛ ما كذبت أمة نبيها وأخرجته من بين أظهرهم إلا نزل بهم العذاب والاستئصال، {وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا}: لا يقدر أحد أن يحول سنتنا أو يبدلها أو يدفع عذابنا إذا نزل.
تفسير ابن كثير (5/ 76)مصدر غير محدد٥/٧٦: يوضح الحافظ ابن كثير أن الآية كقوله تعالى في سورة فاطر: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا}؛ فالله تعالى لا يعاجل الأمم بالعذاب ما دام الرسول فيهم، فإذا أخرجوه أو فارقهم نزل بهم البأس الذي لا يرد.
القرطبي (10/ 353)مصدر غير محدد١٠/٣٥٣: يذكر القرطبي أن انتصاب {سُنَّةَ} على المصدرية لفعل محذوف تقديره (سننا ذلك سنة)؛ وأن التحويل هو التغيير من حال إلى حال؛ فالسنن الإلهية لا تتغير بالأماني ولا تحابي أحداً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
السُّنَّة: الطريقة المتبعة والعادة المستقرة والقانون المطرد الذي لا يتخلف؛ وسنة الله: حكمه وقضاؤه الجاري في خلقه.
التَّحْوِيل: النقل والتغيير والتبديل من وجه إلى وجه، حوّل الشيء إذا غيره.
{سُنَّةَ}: مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره (سننا ذلك سنة) منصوب بالفتحة الظاهرة وهو مضاف.
{مَن}: اسم موصول مبني على السكون في محل جر مضاف إليه (أو نكرة موصوفة).
{قَدْ}: حرف تحقيق.
{أَرْسَلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون و{نَا} فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها، والمفعول محذوف تقديره (أرسلناه).
{قَبْلَكَ}: ظرف زمان منصوب متعلق بـ {أَرْسَلْنَا}، والكاف مضاف إليه.
{مِن رُّسُلِنَا}: متعلق بمحذوف حال من المفعول المحذوف، و{نَا} مضاف إليه.
إعراب {وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا}:
الواو استئنافية، {لَا}: نافية.
{تَجِدُ}: مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{لِسُنَّتِنَا}: جار ومجرور متعلق بمحذوف مفعول به ثانٍ لـ {تَجِدُ} (أو بحال)، و{نَا} مضاف إليه.
{تَحْوِيلًا}: مفعول به أول منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتقاء من الجزئي إلى الكلي السنني: ربطت الآية مصير كفار مكة بمصير البشرية كلها؛ فليس أمر قريش بدعاً من الأمم، بل هم محكومون بذات القانون الصارم الذي دمر عاداً وثمود؛ مما يقطع دابر الغرور في نفوسهم.
إضافة السنة إلى ضمير الجلالة {لِسُنَّتِنَا} بعد إضافتها للرسل {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا}:
الأولى أضيفت للرسل لأنها السنة الجارية في شأنهم ومعاملة أقوامهم لهم.
والثانية أضيفت إلى الله تعالى لأنها صادرة عن إرادته وقدرته وحكمته؛ فجمعت الآية بين مظهر السنة ومصدرها.
التمهيد لأعظم زاد للثبات وهو الصلاة والتهجد في الآيات اللاحقة: بعد أن قرر السنن وثبات القوانين، وجّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى التزود بأعظم أسلحة الثبات الروحي فقال: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة حتمية السنن وحرية الإرادة الإنسانية:
هل تعني "السنن التاريخية الثابتة" الجبرية التامة وتعطيل الإرادة البشرية؟!
التحرير الفلسفي والعقدي الإسلامي:
السنن الإلهية لا تلغي حرية الاختيار الإنساني، بل هي "قوانين سببية" عادلة؛ فالأمم تملك حرية الاختيار بين العدل أو الظلم، والتصديق أو التكذيب؛ فإذا اختارت الظلم والتكذيب وإخراج المصلحين، انطبقت عليها حتماً سنة السقوط والهلاك؛ كالقوانين الفيزيائية: الإنسان حر في أن يلقي بنفسه من شاهق أو لا يلقي، لكنه إن ألقى بنفسه انطبقت عليه سنة الجاذبية فمات؛ فثبات السنن مظهر لكمال العدل الإلهي والنظام الكوني الحكيم.
النفي المؤكد بـ {وَلَا تَجِدُ} والتنكير في {تَحْوِيلًا}: يفيد النفي التام القاطع؛ فلن يجد أحد في الماضي أو الحاضر أو المستقبل أدنى تحويل أو استثناء لتلك السنن؛ فلا وساطة ولا محاباة أمام سنن الله في المجتمعات.
الإشارة والتدبر: ادرس التاريخ وسنن الله في الأمم لتعرف مستقبلك ومستقبل أمتك؛ فالأسباب تنتج مسبباتها بإذن الله؛ ومن زرع بذور الظلم والفساد حصد الدمار والهلاك لا محالة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ترسيخ "فقه السنن الإلهية" في الخطاب الإسلامي؛ والتأكيد على أن النصر له سنن وأسباب، وأن الهزيمة لها سنن وأسباب، وأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
التوجيه التربوي: تنشئة الجيل على الثقة بموعود الله وحتمية انتصار الحق؛ مهما طال ليل الظالمين؛ فإن سنة الله ماضية لا تتبدل.
الأثر الوجداني: يسكن قلب المؤمن ويطمئن لعدالة نواميس ربه، موقناً بأن الباطل محكوم عليه بالفناء الحتمي وفق سنة الله التي لا تحويل لها.