يخبر الله تبارك وتعالى عن طبيعة النفس الإنسانية في تسرعها وقلة صبرها؛ حيث يبادر الإنسان في ساعات الغضب والضجر إلى الدعاء على نفسه أو ولده أو ماله بالهلاك والموت والشر، كما يدعو في ساعات السكينة بالخير لنفسه، ولو استجاب الله له دعاءه بالشر لهلك، ولكنه يمهله برحمته.
تفسير الطبري (14/ 413)مصدر غير محدد١٤/٤١٣: يروي ابن جرير عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وسعيد بن جبير، والحسن: هو دعاء الرجل على نفسه وأهله وولده وماله إذا غضب، فيقول: اللهم العنه، اللهم اهلكه، اللهم أمتني، فلو استجاب الله له ذلك كما يستجيب دعاءه بالخير لأهلكه، ولكن الله لطيف بعباده، لا يعجل عليهم كما قال في سورة يونس: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ}.
تفسير ابن كثير (5/ 30)مصدر غير محدد٥/٣٠: يذكر الحافظ ابن كثير حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه في صحيح مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلَى أَوْلادِكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ».
القرطبي (10/ 232)مصدر غير محدد١٠/٢٣٢: ينبه القرطبي إلى أن قوله {وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا} بيان للعلة الكامنة وراء هذا السلوك؛ وهي خلق العجلة والاندفاع التي ركبت في طبع البشر؛ فيطلب العاجل قبل أن ينظر في العواقب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
العجلة: طلب الشيء والمسارعة إليه قبل أوانه وإبانه، وهي نقيض الأناة والروية، يقال: عجل يعجل عجلاً وعجلة فهو عجل وعجول.
رسم المصحف في {وَيَدْعُ}: حذفت الواو في الرسم العثماني لفظاً وخطاً تبعاً للقراءة؛ للتنبيه على السرعة والعجلة وخفة اللفظ.
الواو استئنافية، {يَدْعُ}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الواو المحذوفة رسماً للتخفيف والجزم حكماً، والفاعل {الْإِنسَانُ} مرفوع بالضمة الظاهرة.
{بِالشَّرِّ}: جار ومجرور متعلق بـ {يَدْعُ}.
{دُعَاءَهُ}: مفعول مطلق منصوب بالفتحة وهو مضاف، والهاء ضمير متصل مضاف إليه، وهو مصدر مضاف إلى فاعله، والتقدير: كدعائه بالخير.
{بِالْخَيْرِ}: جار ومجرور متعلق بـ {دُعَاءَهُ}.
إعراب {وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا}:
الواو حالية أو استئنافية، {كَانَ}: فعل ماض ناقص.
{الْإِنسَانُ}: اسم {كَانَ} مرفوع بالضمة الظاهرة.
{عَجُولًا}: خبر {كَانَ} منصوب بالفتحة الظاهرة، وهو صيغة مبالغة على وزن فَعُول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الربط بين هداية القرآن وعجلة الإنسان: لما أثبت في الآيات السابقة أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، كشف هنا عن سبب تمرد المشركين وتعنتهم ومطالبتهم بتعجيل العذاب؛ فبين أن الإنسان بطبعه عجول يطلب ما يضره ويدعو بالشر كدعائه بالخير؛ ولذلك جاء القرآن ليقوم هذا العوج ويهذب هذه العجلة ويضبط نوازع النفس بميزان الشريعة القويمة.
التشبيه في {دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ}: تشبيه بديع يصور حماسة الداعي بالشر وجديته عند الغضب كأنه يطلب خيراً محققاً لنفسه؛ مع أن ما يطلبه هو عين الهلاك والدمار.
التذييل بـ {وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا}: حكم كلي تعليلي يكشف عن جذر المشكلة الإنسانية؛ وهي التسرع في طلب اللذات العاجلة أو الاستجابة لثورات الغضب قبل إعمال العقل والروية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استجابة الدعاء بالشر وأثره على العدل والرحمة:
قد يسأل سائل: هل يستجيب الله دعاء الوالد على ولده أو الإنسان على نفسه إذا دعا وهو غضبان لا يقصد حقيقة الهلاك؟
التحرير الفقهي والحديثي: رحمة الله أوسع من أن تؤاخذ العبد بزلات لسانه في حال الإغلاق وثوران الغضب المفرط الذي يسلب الإرادة؛ ولذلك دلت الآيات على أن الله لا يعجل لهم الشر، ومع ذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الدعاء عند الغضب خشية أن يصادف ساعة إجابة فيقع المحذور قدراً؛ فالنهي للتربية والتحذير من إطلاق اللسان بالسخط، وحفظاً لسلامة البيوت والنفوس.
حذف الواو رسماً في {وَيَدْعُ}: إعجاز بياني ورسمي يتطابق فيه اللفظ والخط مع المعنى؛ فحذف حرف العلة إشارة إلى سرعة صدور الدعاء بالشر من غير تفكير ولا تلبث.
صيغة المبالغة في {عَجُولًا}: تدل على أن العجلة صفة متأصلة متكررة في الإنسان تظهر في مختلف مواقفه إلا من زكاه الوحي واليقين.
الإشارة والتدبر: كم من دعوة دعاها العبد في ضيق أمره لو أجيب إليها لكان فيها هلاكه! فمن تمام لطف الله بنا أنه يمنع عنا ما نطلبه بجهلنا ليحفظ علينا ما ينفعنا بعلمه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: معالجة ظاهرة الاستعجال عند المدعوين والدعاة على حد سواء؛ فإن بناء الأمم وإثمار الدعوات يحتاجان إلى الأناة والصبر وطول النفس، والعجلة مفسدة للأعمال.
التوجيه التربوي: ضبط اللسان عند الغضب، وتدريب الآباء والأمهات على استبدال الدعاء على الأولاد بالدعاء لهم بالهداية والصلاح.
الأثر الوجداني: يفيض وجدان المؤمن شكراً لله على حلمه ورحمته؛ إذ لم يهلكنا عند طيشنا وغضبنا، ويعتصم بالصبر والأناة في كل شؤونه.