يعلم الله تبارك وتعالى نبيه والمؤمنين أدباً رفيعاً وخلقاً سامياً في التعامل مع السائلين والمحتاجين من ذوي القربى والمساكين إذا لم يجد ما يعطيهم؛ فيأمره بالاعتذار اللين والوعد الجميل بالبذل عند تيسر الرزق، دون جفاء ولا غلظة ولا إعراض يحرج قلوبهم.
تفسير الطبري (14/ 453)مصدر غير محدد١٤/٤٥٣: يروي ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سأله ذوو القربى والمساكين وليس عنده ما يعطيهم، أعرض عنهم حياءً وخجلاً من ردهم خالين، فأنزل الله هذه الآية يعلمه كيف يخاطبهم: {فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا}؛ أي وعداً جميلاً؛ كأن يقول: «يرزقنا الله وإياكم من فضله»، «إذا جاءنا شيء آثرناكم به إن شاء الله»، فيطيب خواطرهم بالكلام اللين الرقيق.
تفسير ابن كثير (5/ 46)مصدر غير محدد٥/٤٦: يوضح الحافظ ابن كثير أن قوله {ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا} معناه: إذا أعرضت عنهم لعدم وجود ما تنفق عليهم منه، منتظراً رحمة الله ورزقه الذي ترجو أن يفتحه عليك؛ فردّهم بكلام لطيف سهل ميسور لا كبر فيه ولا زجر.
القرطبي (10/ 266)مصدر غير محدد١٠/٢٦٦: يستشهد القرطبي بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ فقد كان إذا لم يجد ما يعطي السائل قال له: «يَفْتَحُ اللَّهُ لَنَا وَلَكَ مِنْ فَضْلِهِ»، فكان القول الطيب صدقة تجبر خاطر المحتاج.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراض: الصرف والتولي، وأصله تولية العُرْض وهو الجانب والصفحة، والمراد هنا: عدم الإعطاء لضيق ذات اليد والحياء من الرد السلبي.
الميسور: اسم مفعول من اليُسْر ضد العُسْر، والقول الميسور: الكلام السهل اللطيف اللين الذي يسر السامع ولا يحرجه ولا يشق عليه.
الواو عاطفة، {إِمَّا}: إنْ الشرطية أدغمت بـ (ما) الزائدة المؤكدة.
{تُعْرِضَنَّ}: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{عَنْهُمُ}: متعلق بـ {تُعْرِضَنَّ}.
{ابْتِغَاءَ}: مفعول لأجله منصوب بالفتحة الظاهرة وهو مضاف (أي لأجل طلب رحمة ورزق تنتظره).
{رَحْمَةٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{مِّن رَّبِّكَ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف نعت لـ {رَحْمَةٍ}.
{تَرْجُوهَا}: مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر تقديره أنت، والهاء مفعول به، والجملة نعت ثانٍ لـ {رَحْمَةٍ}.
إعراب {فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا}:
الفاء رابطة لجواب الشرط وجوباً لكونه جملة طلبية.
{قُل}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
{لَّهُمْ}: متعلق بـ {قُل}.
{قَوْلًا}: مفعول مطلق منصوب (أو مفعول به).
{مَّيْسُورًا}: نعت منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
إكمال منظومة العطاء المادي والمعنوي: لما أمر في الآية السابقة بإيتاء ذي القربى والمسكين حقه، راعى النظم الإلهي الحكيم الحالة الواقعية التي تعتري الإنسان حين يكون عاجزاً عن العطاء المادي لقلة ذات اليد؛ فشرع له العطاء المعنوي البديل وهو القول الميسور والدعاء وتطييب الخواطر؛ ليعلم المسلم أن باب الإحسان لا يغلق أبداً.
تسمية الرزق المرتقب "رحمة" {ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ}: تلطف بديع وإشعار بأن المال الحلال رزق ورحمة من الله ينتظرها العبد، وأن انقطاعه مؤقت يزول بالدعاء والرجاء.
التنكير في {قَوْلًا مَّيْسُورًا}: للتعظيم والشمول؛ ليشمل كل كلمة طيبة، ودعاء بالبركة، ووعد حسن يذهب وحشة الحاجة والفقر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إيهام العتاب للنبي صلى الله عليه وسلم في الإعراض:
قد يظن ظان أن في قوله {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ} عتاباً للنبي على صد المحتاجين!
التحرير والتوضيح النبوي الرفيع: الإعراض المذكور هنا لم يكن إعراض استكبار ولا غلظة وحاشاه صلى الله عليه وسلم؛ بل كان إعراض حياء وخجل وألم نفسي لعجزه عن مواساتهم وقضاء حوائجهم؛ فكان يطرق رأسه حياءً حزناً على فقرهم، فوجهه ربه الرحيم إلى ألا يستحي من فاقته، بل يواجههم بالقول الميسور والدعاء الصالح تطييباً لقلوبهم؛ فالآية تعليم وإرشاد لأعلى مقامات الأدب البشري.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
إيثار وصف القول بـ {مَّيْسُورًا}: مأخوذ من اليسر والسهولة؛ لأن الكلمة الطيبة لا تكلف مالاً ولا جهداً، ولكنها تفعل في القلوب ما تعجز عنه الأموال؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ».
التعبير بـ {تَرْجُوهَا}: يعلم العبد حسن الظن بربه والثقة بأن الفرج قادم، وأن تعسر الرزق اليوم سيعقبه يسر غداً.
الإشارة والتدبر: جبر الخواطر عبادة جليلة؛ فإذا عجزت يدك عن العطاء فلا تعجز لسانك عن الدعاء والابتسامة؛ فرب كلمة طيبة تبني في قلب الفقير أملاً وتزيل عنه مرارة الحرمان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تدريب الدعاة والعاملين في الإغاثة على حسن استقبال السائلين وذوي الحاجات؛ فالتعامل الإنساني الكريم أهم من المساعدة المادية ذاتها.
التوجيه التربوي: تعويد الأبناء على انتقاء الكلمات اللطيفة في رد من يطلب منهم شيئاً يعجزون عنه، وتجنب الزجر والتقريع والتأفف.
الأثر الوجداني: يفيض وجدان المؤمن رقة ولطفاً ومحبة للضعفاء، مستحضراً رحمة ربه وفضله، راجياً أن يجعل الله لسانه مفتاحاً للخير ميسراً للقلوب.