التثبيت الإلهي المعصوم لنبيه صلى الله عليه وسلم وامتناع الركون إلى أهل الباطل:
يمتن الله جل ثناؤه على رسوله وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم بأعظم النعم؛ وهي نعمة التثبيت والعصمة الإلهية؛ فلولا أن ثبتناك بالحق، وعصمناك من مكرهم، وأمددناك بالنور واليقين، لقاربت نفسك الشريفة بفطرتها الرحيمة وحرصها الشديد على إسلامهم ودخولهم في الدين أن تركن وتميل إليهم ميلاً يسيراً في بعض ما سألوه؛ ولكن الله حماك وثبتك فلم تركن إليهم أدنى ركون ولم تطاوعهم في شيء من أهوائهم.
تفسير الطبري (14/ 560)مصدر غير محدد١٤/٥٦٠: يروي الطبري عن قتادة وابن عباس ومجاهد والحسن: {وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ}: بعصمتنا وتوفيقنا وربطنا على قلبك بالحق، {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا}: أي قاربت أن تميل إليهم ميلاً يسيراً لفرط رغبتك في إسلامهم وحقن دمائهم؛ ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يركن ولم يقارب الركون لعصمة الله له؛ وروى الطبري عن قتادة قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية يقول: اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين».
تفسير ابن كثير (5/ 75)مصدر غير محدد٥/٧٥: يوضح الحافظ ابن كثير أن الآية كقوله تعالى في سورة يوسف: {كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}؛ فالعصمة والتثبيت فضل من الله محض؛ والآية تبرز بشرية الرسول الكريم في مشاعره وحرصه، مع كمال عصمته التشريعية وتثبيته الإلهي؛ فلم يقع منه الركون قط لوجود "لولا" الامتناعية.
القرطبي (10/ 348)مصدر غير محدد١٠/٣٤٨: يقرر القرطبي أن قاعدة {لَوْلَا} في لغة العرب تفيد "امتناع الشيء لوجود غيره"؛ فامتنع الركون لوجود التثبيت الإلهي؛ فالركون ممتنع قطعاً لم يقع منه شيء؛ وهذا غاية التكريم والمدح لمقامه الشريف.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الرُّكُون: الميل والاطمئنان والاعتماد على الشيء، رَكَنَ إليه يَرْكَنُ رُكُوناً إذا مال واطمأن.
{كِدتَّ}: فعل ماض ناقص مبني على السكون والتاء اسمه.
{تَرْكَنُ}: مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره أنت، وجملة تركن في محل نصب خبر {كِدتَّ}.
{إِلَيْهِمْ}: جار ومجرور متعلق بـ {تَرْكَنُ}.
{شَيْئًا}: مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة نائب عن المصدر (أي ركوناً قليلاً)، أو ظرف زمان.
{قَلِيلًا}: نعت لـ {شَيْئًا} منصوب بالفتحة الظاهرة؛ وجملة لقد كدت جواب شرط غير جازم لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسناد الفضل لمن يستحقه: بيّن السياق أن العصمة والثبات ليسا من حول الإنسان وقوته المجردة، بل هما منة وتثبيت من رب العالمين؛ ليبقى العبد مفتقراً إلى مولاه في كل لحظة، مهما بلغت منزلته.
دقة التعبير بـ {شَيْئًا قَلِيلًا}: للمبالغة في نفي أدنى درجات الميل؛ فلو كان هناك أدنى ركون لكان شيئاً يسيراً جداً، ولكن التثبيت الإلهي منع حتى هذا القدر الضئيل؛ فثبتت البراءة المطلقة من كل ركون.
التمهيد للتحذير الصارم في الآية اللاحقة: هذا التنبيه الشديد مهد لبيان عاقبة الركون لو وقع في قوله: {إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ}؛ ليعلم الجميع حرمة ثوابت الدين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دلالة "لولا" الامتناعية في نفي الركون قطعا:
يثير بعض المستشرقين شبهة: "الآية تثبت أن محمداً كاد يركن للمشركين!".
الرد اللغوي والبلاغي القاطع:
حرف {لَوْلَا} في لغة العرب موضوع لـ "امتناع الجواب لوجود الشرط" بإجماع أئمة النحو؛ كقولك: "لولا عليّ لهلك عمر"؛ فهل هلك عمر؟! لا، امتنع الهلاك لوجود علي؛ وقولك: "لولا الجدار لسقط السقف"؛ فهل سقط السقف؟! لا، امتنع السقوط لوجود الجدار؛ فكذلك قوله: {وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ}؛ معناه: امتنع قرب الركون لوجود التثبيت الإلهي؛ فالركون ممتنع قطعاً، وقرب الركون ممتنع قطعاً؛ فلم يقع منه ميل ولا ركون طرفة عين؛ فالشبهة قائمة على جهل فاضح بقواعد لسان العرب.
التنكير في {شَيْئًا قَلِيلًا}: للتقليل البالغ؛ أي ولا أدنى ذرة من الميل النفسي؛ مما يظهر عظمة العصمة المحمدية.
إسناد التثبيت إلى ضمير العظمة {ثَبَّتْنَاكَ}: تشريف وتكريم؛ فالله هو الذي تولى تثبيت قلب نبيه بنفسه في مواجهة دهاء قريش وثقيف.
الإشارة والتدبر: إذا كان سيد الخلق وإمام الأنبياء يحتاج إلى تثبيت ربه ويستعيذ من أن يكل إلى نفسه طرفة عين، فكيف بي وبك وبأهل هذا الزمان وسط أمواج الفتن والشبهات والشهوات؟! فالزم دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك".
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: التجرد التام من الغرور بالثبات؛ فالداعية الناجح لا ينسب ثباته إلى عبقريته أو صلابة نفسه، بل يعترف بفضل الله وتثبيته في كل محنة وموقف.
التوجيه التربوي: تربية القلوب على اللجوء الدائم إلى الله لطلب التثبيت والهداية؛ فالقلوب تتقلب والفتن خطافة.
الأثر الوجداني: يفيض وجدان المؤمن انكساراً وافتقاراً لمولاه، ملهماً التضرع الدائم: "ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب".