قانون الجزاء، ونبوءة الإفساد الثاني، وتتبير العلو:
يقرر الله تبارك وتعالى قانوناً كونياً صارماً: أن ثمرة الإحسان تعود على صاحبها، ووبال الإساءة يحيق بفاعلها، ثم يخبر عن نبوءة تحقق الإفساد الثاني والأخير؛ فحين طغوا وبغوا واستكبروا في الأرض، جاء وعد الله بالانتقام الأخير؛ بتسليط أعداء يسوؤون وجوههم بالخزي والذل، ويقتحمون المسجد (المسجد الأقصى) فاتحين قاهرين كما دخلوه أول مرة، ويدمرون كل ما شيدوه من علو واستكبار تدميراً كاملاً.
تفسير الطبري (14/ 405)مصدر غير محدد١٤/٤٠٥: يروي الطبري عن ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الإفساد الثاني كان بتكذيب عيسى بن مريم عليه السلام ومحاولة صلبه وقتله، وقتل يحيى بن زكريا، والتجرؤ على أنبياء الله؛ فسلط الله عليهم ملوك الروم (طيطس وجنوده)، فغزوهم في عقر دارهم بالشام، وخربوا بيت المقدس، وذبحوا مئات الآلاف، وسبوا النساء والذراري، وأحرقوا الهيكل، وجعلوا المسجد خراباً، وساءت وجوههم بما نالهم من الذل والهوان.
تفسير ابن كثير (5/ 28)مصدر غير محدد٥/٢٨: يوضح ابن كثير أن قوله {لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ} أي يظهروا الكآبة والذل والمسكنة في وجوهكم بالأسر والقتل والقهر؛ لأن أثر الإهانة والغم يظهر أول ما يظهر على تقاسيم الوجه، {وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ}: وهو المسجد الأقصى بيت المقدس، {وَلِيُتَبِّرُوا}: أي يهلكوا ويدمروا كل ما علوا عليه وتغلبوا عليه من البلاد والقصون تدميراً تاماً.
القرطبي (10/ 227)مصدر غير محدد١٠/٢٢٧: ينبه القرطبي إلى أن التتبير في لغة العرب هو الإهلاك والتفتيت والكسر، وكل شيء كسرته وفتته فقد تبرته، ومنه التَّبَار وهو الهلاك.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التتبير: الهلاك والتدمير والتمزيق، يقال: تَبَرَهُ وتَبَّرَهُ إذا أهلكه وكسره؛ وتَبِرَ الشيء إذا هلك، والتَّبَار هو الخسران المبين؛ كما قال تعالى: {وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا}.
علوهم: أي ما استعلوا عليه وغلبوا عليه من البلاد والعباد، أو ما بلغوه من البنيان والعزة والرفعة.
القراءات في {لِيَسُوءُوا}:
قراءة الجمهور: {لِيَسُوءُوا} بالياء المضمومة بعدها سين وهمزة مضمومة بعدها واو الجمع؛ والفاعل ضمير يعود على البعث المذكور أو الأعداء الذين يسلطون عليهم.
قراءة الكسائي وأبي بكر عن عاصم في رواية: {لِنَسُوءَ} بنون العظمة، أي لنسوء نحن وجوهكم بما نسلطه عليكم.
قراءة ابن عامر وحمزة وأبي بكر: {لِيَسُوءَ} بالياء التحتية مفتوحة على الإفراد، والفاعل هو الله تعالى، أو وعد الآخرة، أو البعث.
الواو عاطفة، {لِيَدْخُلُوا}: مضارع منصوب بأن مضمرة معطوف على ليسوءوا، والواو فاعل.
{الْمَسْجِدَ}: مفعول به أو منصوب على نزع الخافض.
{كَمَا}: الكاف حرف تشبيه وجر، {مَا}: مصدرية، {دَخَلُوهُ}: فعل وفاعل ومفعول، والمصدر المؤول في محل جر نعت لمصدر محذوف أي: دخولاً كدخولهم أول مرة.
{أَوَّلَ}: ظرف زمان منصوب وهو مضاف، {مَرَّةٍ}: مضاف إليه.
{وَلِيُتَبِّرُوا}: معطوف على ما قبله.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ {يُتَبِّرُوا}، أو مصدرية ظرفية أي: مدة علوهم.
{عَلَوْا}: فعل ماض والواو فاعل، والجملة صلة الموصول.
{تَتْبِيرًا}: مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة لتأكيد الهلاك.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام السنن في معادلة العمل والجزاء: بدأت الآية بقاعدة أخلاقية كونية: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ}؛ لتجريد الإيمان من أي منّة على الله، وإعلام البشر بأن نفع الطاعة وضرر المعصية يعودان على الإنسان ذاته؛ فإذا أساء الإنسان عاقبه الله بنواميسه.
المقابلة التناظرية بين الإفسادين:
في الإفساد الأول: {فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ} (اختراق وتخلل).
التأكيد بالمفعول المطلق {تَتْبِيرًا}: ختام الآية بالمصدر المؤكد يدل على أن زوال علوهم سيكون ساحقاً حاسماً لا تقوم لهم بعده قائمة كدولة واستعلاء في ذلك العهد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة زمن تحقق وعد الآخرة وهل دخل فيه العصر الحاضر:
يختلف الباحثون والمفسرون المعاصرون: هل وعد الآخرة المذكور في هذه الآية قد انقضى تاريخياً بتدمير الرومان لبيت المقدس وتشتت اليهود عام 70 للميلاد بعد بعثة المسيح عليه السلام، أم إنه يمتد أو يشمل الصراع المعاصر على أرض فلسطين وعلوهم الأخير؟
التحرير العلمي الرصين:
مذهب جمهور السلف وأئمة التفسير المتقدمين (كالطبري وابن كثير والقرطبي وابن عطية): أن المرتين المذكورتين في سياق بني إسرائيل في التوراة قد وقعتا في تاريخهم القديم؛ الأولى بسبي بابل، والثانية بتدمير الرومان للمعبد وتشتيتهم في الآفاق بعد تكذيبهم للمسيح وقتلهم زكريا ويحيى.
استصحاب عموم السنة القرآنية: لفظ الآية وقواعد السنن تفيد أن علو بني إسرائيل مقرون حتماً بالزوال والتتبير؛ فإذا عادوا للإفساد عاد الله لعقابهم كما نصت الآية التالية: {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا}؛ فالآيات تقدم نواميس مطردة بأن كل علو يقوم على الظلم والبطش في الأرض المباركة نهايته التتبير ودخول الفاتحين المسجد كما دخلوه أول مرة.
إسناد الإساءة إلى الوجوه {لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ}: لأن الوجه هو مجمع الحواس ومرآة العزة والكرامة؛ فإذا حلت به المساءة والذل انكسرت النفس كلها.
التشبيه في {كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ}: دلالة على تكرار سنة الإذلال وإسقاط الهيبة عن هذا الكيان حين ينحرف عن هدي الله.
الإشارة والتدبر: بيت المقدس لا يقبل الظلم ولا يعمر فيه طاغية؛ فكلما علت قوة ظالمة في أكناف المسجد الأقصى وتجبرت هيأ الله لها من العباد من يسوء وجهها ويقتحم حصونها ويتبّر علوها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: زرع الأمل واليقين في قلوب المسلمين بأن القدس والمسجد الأقصى مآلهما التحرير والظفر، وأن علو الباطل مهزوم حتماً بنواميس الوحي والسنن الكونية.
التوجيه التربوي: ترسيخ مبدأ المسؤولية الشخصية والجماعية؛ فالإحسان نجاة للأفراد والدول، والإساءة هدم للحضارات.
الأثر الوجداني: يفيض قلب المؤمن خشوعاً واستبشاراً بوعد الله الحق، ويستشعر عظمة القدس ومسجدها الأقصى في ميزان الله وتاريخ الرسالات.