روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص164) بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة في قوله تعالى: {تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ}: هي العصا، واليد البيضاء، والسنون (القحط)، ونقص الثمرات، والرجز (الطوفان)، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم؛ آيات مفصلات ظاهرات رآها فرعون وقومه عياناً لا تدع مجالاً للشك.
ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص124): "وقد روي في حديث صفوان بن عسال في السنن عن تسع آيات أنها وصايا في التوحيد والأحكام، ولكن المحققين كابن عباس ومجاهد والشعبي والضحاك والقرطبي وابن كثير نصوا على أن المراد بالآيات هنا هي المعجزات الكونية الباهرة التي أيد الله بها موسى حجة على فرعون وقومه، ودل عليها قوله: {فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ}. وقوله: {فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ}: أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بسؤالهم على وجه الاستشهاد والتقرير للحق المشهور عندهم لتثبيت المؤمنين وإلزام المشركين".
وأوضح القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص336): "قول فرعون: {إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا}؛ قال الفراء: مخدوعاً مغلوباً على عقلك لا تدري ما تقول. وقال مجاهد: ساحراً، وقيل: أصابك سحر فصرت تهذي بما لا حقيقة له، وهذا من أساليب الجبابرة في صرف الناس عن الحق برميه بالباطل".
وأشار الشيخ السعدي في تيسير الكريم الرحمن (ص467): "لما تعنت مشركو مكة وسألوا آيات مقترحة، ضرب الله لهم مثلاً بفرعون؛ فقد أتى موسى بتسع آيات بينات لا تقبل التأويل، فما زاده ذلك إلا عتواً وتكذيباً؛ فدل على أن المشكلة ليست في نقص الآيات بل في قلوب المعاندين".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص336)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٣٦*تيسير الكريم الرحمن* (ص467)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٦٧*جامع البيان* (ج15، ص164)جامع البيانالطبري١٥/١٦٤*تفسيره* (ج5، ص124)مصدر غير محدد٥/١٢٤
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والمعجم:
{وَلَقَدْ آتَيْنَا}: الواو استئنافية، واللام واقعة في جواب قسم مقدر، وقد حرف تحقيق، وآتينا فعل ماض مبني على السكون ونا ضمير متصل فاعل.
{مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ}: موسى مفعول به أول منصوب بالفتحة المقدرة، وتسع مفعول ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة، وآيات مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{بَيِّنَاتٍ}: نعت لآيات مجرور بالكسرة الظاهرة، وهي جمع بينة من أبان يبين إذا اتضح وظهر دليله وضوحاً تاماً.
{فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ}: الفاء فصيحة، واسأل فعل أمر فاعله مستتر تقديره أنت، وبني مفعول به منصوب بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وإسرائيل مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
{إِذْ جَاءَهُمْ}: إذ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بآتينا أو بمحذوف تقديره اذكر إذ جاءهم، وجملة جاءهم في محل جر مضاف إليه.
{إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا}: إن واسمها، واللام المزحلقة، وأظنك فعل مضارع والفاعل مستتر والكاف مفعول أول، و{مَسْحُورًا} مفعول ثانٍ، وهو اسم مفعول من سَحَرَ، وجملة {يَا مُوسَىٰ} اعتراضية للنداء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الموقع السياقي والترابط الموضوعي:
جاءت قصة موسى مع فرعون كأعظم شاهد تاريخي واقعي يدحض تعنت قريش؛ فقريش كانت تقترح خوارق محددة (تفجير ينابيع، جنات، إسقاط السماء)، فأراهم الله أن بني إسرائيل وفرعون شاهدا تسع معجزات عظاماً تفوق ما يقترحونه، ومع ذلك لم يؤمن فرعون بل ادعى أن موسى مسحور؛ فالمعاند لا تجديه الآيات نفعاً.
الاتصال بما قبله: في الآية السابقة بيّن شح الإنسان وجهله بالحق، وهنا يضرب النموذج العملي للطغيان الإنساني حين يواجه البينات بالجحود والتسفيه.
التمهيد لبيان عاقبة الطغاة في قوله: {فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم في ريب حتى يؤمر بسؤال أهل الكتاب؟:
المحاكمة العقلية والتأصيل الأصولي:
صيغة الأمر {فَاسْأَلْ} وإن توجهت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في اللفظ، إلا أن المراد بها تقرير المشركين وإلزامهم بحجة واقعية مسجلة في تواريخ الأمم؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يشك طرفة عين في صدق ما أوحي إليه، ولكن الاستشهاد بأهل الكتاب هو إلزام للخصم بما يعترف به أهل العلم السابقون.
هذا الأسلوب معروف في لغة العرب وفي القرآن، كقوله تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ}؛ فالمقصود إظهار قوة البرهان وتوافقه مع الحقائق المتوارثة، بحيث لا يجد المكذب منفذاً للإنكار إلا التمرد الصريح.
التوكيد بالقسم والتحقيق {وَلَقَدْ}: لتقرير هذا الحدث التاريخي الباهر في نفوس المخاطبين.
الوصف بـ {بَيِّنَاتٍ}: لإبراز أن الآيات بلغت الغاية في الوضوح والظهور، بحيث لا يلتبس أمرها على عاقل منصف.
إظهار وقاحة الطاغية: التعبير بـ {إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا} يصور استعلاء المستكبر حين يفلس من الحجة؛ فيلجأ إلى الهجوم الشخصي والطعن في عقل المصلح وعافيته النفسية.
الإشارة والتدبر: كلما علت حجة الداعية وسطعت براهينه، لجأ أهل الباطل إلى سلاح الاتهام بالجنون والسحر والرجعية؛ وتلك علامة إفلاسهم وانكسار باطلهم أمام نور الحق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تسلية الدعاة إلى الله؛ فما يقابلهم به المعاندون من السخرية والتكذيب قد قوبل به أولوا العزم من الرسل؛ فالواجب هو الثبات واليقين دون تزعزع.
التوجيه التربوي: تعويد العقل على مناقشة الأفكار والبراهين لا الأشخاص؛ فالطغيان هو الذي يترك البرهان ويهاجم شخص القائل.
الأثر الوجداني: يفيض قلب المؤمن باليقين بأن الباطل مهزوم بحجته، وأن استكبار الطغاة ليس إلا قناعاً هشاً يخفي الرعب والاضطراب الداخلي.