التحليل القرآني الدقيق لطبيعة الإنسان الجاحد: الكبر والإعراض في النعمة واليأس والقنوط في الشدة:
يصور الحق سبحانه وتعالى التقلب النفسي والانحدار الأخلاقي للإنسان الكافر المجرد من الإيمان؛ فإذا وسّع الله عليه في الرزق، وعافاه في بدنه، وأفاض عليه من نعمه، كفر بالمنعم وأعرض عن طاعته وتكبر وتعاظم بجانبه مبعداً نفسه عن التواضع للحق؛ وإذا انقلب الحال ومسه أدنى ضر أو بلاء أو فقر أو مرض، انهار وسقط في قعر اليأس والقنوط من رحمة الله؛ وتلك طبيعة الطغيان والجهل إذا خلا القلب من نور التقوى والصبر والشكر.
تفسير الطبري (14/ 584)مصدر غير محدد١٤/٥٨٤: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد وابن عباس والحسن: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ}: بالصحة والسعة والعافية والرزق، {أَعْرَضَ}: عن طاعة ربه وتوحيده ودعائه، {وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ}: تباعد وتكبر واستعلى بنفسه تعاظماً كالمختال، {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ}: بالفقر أو البلاء أو المرض، {كَانَ يَئُوسًا}: قنوطاً لا يرجو فرجاً ولا يؤمل ثواباً؛ لعدم إيمانه بالآخرة وبقدرة الله على تفريج الكروب.
تفسير ابن كثير (5/ 81)مصدر غير محدد٥/٨١: يوضح الحافظ ابن كثير أن هذه صفة الإنسان من حيث هو، إلا من عصمه الله بالإيمان؛ كقوله تعالى في سورة هود: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي ۚ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}؛ فالمؤمن يشكر في السراء ويصبر في الضراء.
القرطبي (10/ 367)مصدر غير محدد١٠/٣٦٧: يذكر القرطبي أن نأى معناه تباعد، بجانبه أي بعطفه وكتفه على هيئة المتكبرين المعرضين؛ واليؤوس هو الشديد اليأس؛ وهو مذموم شرعاً؛ لأن القنوط من رحمة الله من صفات الكافرين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الواو عاطفة، {إِذَا}: ظرف زمان شرطي متعلق بالجواب {أَعْرَضَ}.
{أَنْعَمْنَا}: فعل ماض مبني على السكون و{نَا} فاعل، والجملة مضاف إليه لـ {إِذَا}.
{عَلَى الْإِنسَانِ}: متعلق بـ {أَنْعَمْنَا}.
{أَعْرَضَ}: فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة جواب الشرط لا محل لها.
الواو عاطفة، {نَأَىٰ}: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر هو.
{بِجَانِبِهِ}: متعلق بـ {نَأَىٰ}، والباء للملابسة، والهاء مضاف إليه.
إعراب {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا}:
الواو عاطفة، {إِذَا}: ظرف شرطي.
{مَسَّهُ}: فعل ماض والهاء مفعول به مقدم، {الشَّرُّ}: فاعل مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص، واسمها مستتر تقديره هو.
{يَئُوسًا}: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة كان جواب الشرط الثاني لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
رسم الشخصية الجاحدة المحرومة من بركات القرآن: لما بين في الآية السابقة أن القرآن لا يزيد الظالمين إلا خساراً، فصّل هنا السمات السلوكية والنفسية لهذه الفئة الخاسرة؛ كيف يعيشون في تيه نفسي دائم يتأرجح بين الكبر عند النعمة والانهيار القنوطي عند الشدة.
المقابلة التامة بين حالي السراء والضراء:
في الرخاء والنعمة: {أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ} (بطر، كبر، استعلاء).
في الشدة والبلاء: {كَانَ يَئُوسًا} (قنوط، يأس، هلع).
فاستوعبت الآية الموقفين لتكشف عورة النفس الكافرة الخالية من ركائز الصبر والشكر.
التمهيد لحكم التنوع النفسي في الآية اللاحقة: مهد هذا السلوك المضطرب لقوله في الآية (84): {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا يعبر بـ "الإنسان" مع أن المؤمنين لا يفعلون ذلك؟:
كيف يذم "الإنسان" بإطلاق في هذه الآية وسور أخرى؟!
التحرير والتفريق بين الطبع الفطري المجرد والإيمان المهذب:
"أل" في {الْإِنسَانِ} للجنس باعتبار أصل الطبيعة البشرية المادية المحضة إذا تركت لنفسها دون تهذيب بالوحي والإيمان؛ فالإنسان بطبعه الطيني هلوع، جزوع، كفور؛ ولكن الإيمان بالقرآن والشريعة هو الذي ينتشله من هذه الهوة؛ كما استثنى القرآن في المعارج: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ}؛ فالذم متوجه للطبع الحيواني المادي المجرد عن نور الوحي.
التصوير الجسدي الحركي في {وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ}: كناية بديعة عن التكبر والغرور؛ يرسم هيئة المتكبر وهو يميل بجسمه وكتفه مبعداً نفسه عن السائلين والمحتاجين وعن مجالس الذكر مستعلياً بماله وصحته.
التعبير بـ {مَسَّهُ} مقابل {أَنْعَمْنَا}: دقة بيانية فائقة؛ النعمة جاءت بلفظ الإنعام العظيم المسند لله، أما الضر فجاء بلفظ {مَسَّهُ} وهو مجرد مس خفيف سطحي؛ ومع ذلك انهار وصار {يَئُوسًا} بصيغة المبالغة؛ لبيان مدى هشاشة البنية النفسية للكافر.
الإشارة والتدبر: المؤمن رجل الثبات والتوازن؛ إذا أقبلت عليه الدنيا تواضع وشكر وتصدق، وإذا نزلت به المصيبة صبر ورضي وأمّل الفرج من ربه؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تشخيص الأمراض النفسية للمجتمعات المعاصرة؛ فالإلحاد والمادية ينتجان إما كبراً وبطراً في الرفاهية أو اكتئاباً وانتحاراً عند الأزمات؛ والحل هو الاعتصام بالإيمان والقرآن.
التوجيه التربوي: تدريب النفس على التوازن الوجداني بين مقامي الشكر والصبر، ومحاربة نزعات اليأس والقنوط.
الأثر الوجداني: يفيض وجدان المؤمن طمأنينة ورجاءً بربه، متضرعاً: "اللهم اجعلنا عند النعماء من الشاكرين، وعند البلاء من الصابرين، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين".