حكمة الإمساك عن إرسال المعجزات المقترحة رحمة بقريش وسنة الاستئصال وتخويف العباد:
يوضح الله جل جلاله السر والحكمة في عدم إجابة مشركي قريش إلى ما اقترحوه من الآيات الخارقة الحسية (كتحويل جبل الصفا ذهباً، أو تفجير الأنهار في مكة)؛ مبيناً أن المانع من ذلك ليس عجزاً في القدرة الإلهية، وإنما هي رحمته وسنته الثابتة في الأمم؛ فإن الأمم السابقة (كقوم عاد وثمود وفرعون) لما اقترحت المعجزات ثم كذبت بها بعد نزولها، عوجلوا بالهلاك والاستئصال الفوري؛ ولقد أتى الله قوم ثمود الناقة آية بينة واضحة تدل على قدرته ونبوة صالح فكفروا بها وعقروها فأهلكهم الله عن بكرة أبيهم؛ والله يريد إبقاء قريش ليدخلوا في دينه ويخرج من أصلابهم من يعبد الله؛ وما يرسل الله الآيات الكونية إلا تخويفاً للعباد ليرجعوا ويتوبوا.
تفسير الطبري (14/ 523)مصدر غير محدد١٤/٥٢٣: يروي الطبري عن سعيد بن جبير وابن عباس رضي الله عنهما قال: «سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحي عنهم الجبال ليزدرعوا، فقيل له: إن شئت أن نستأني بهم لعلنا أن نجتبي منهم، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم من الأمم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بَلْ تَسْتَأْنِي بِهِمْ، فأنزل الله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ}»، ويروي عن قتادة: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً}: آية بينة مضيئة واضحة، {فَظَلَمُوا بِهَا}: كفروا بها وعقروها، {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا}: يخوف الله العباد بما يشاء من الآيات لعلهم يرجعون أو يذكرون.
تفسير ابن كثير (5/ 65)مصدر غير محدد٥/٦٥: يوضح الحافظ ابن كثير أن الآيات المقترحة إذا جاءت ولم يؤمن القوم نزل بهم العذاب الذي لا يؤخر طرفة عين؛ ولما كان الله يعلم أن في مشركي قريش من سيؤمن ومن سيخرج من نسله مؤمنون، اقتضت حكمته ورحمته ألا يرسل الآيات المقترحة حتى لا يهلكهم؛ ويكفيهم القرآن العظيم أعظم معجزة وآية.
القرطبي (10/ 322)مصدر غير محدد١٠/٣٢٢: يذكر القرطبي أن {مُبْصِرَةً} اسم فاعل أقيم مقام المفعول أي مبصر بها دلالة على وضوحها وإعجازها؛ أو مضيئة نيرة تكشف الحق كالنور؛ وظلموا بها أي كفروا بسببها وجحدوا حقها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
مُبْصِرَةً: ذات إبصار على المجاز؛ أي آية بينة واضحة هادية تبصر الناظرين بالحق وتدل على صدق الرسول، من أَبْصَرَ إذا استبان ورأى.
التَّخْوِيف: التحذير والتذكير بالبطش الإلهي والعذاب ليحصل الوجل والرجوع، من خَوَّفَهُ إذا ألقى في قلبه الخوف.
{مَنَعَنَا}: فعل ماض مبني على الفتح، و{نَا} ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول.
{أَن نُّرْسِلَ}: المصدر المؤول في محل نصب مفعول به ثانٍ لـ {مَنَعَنَا} (أو منصوب بنزع الخافض أي من أن نرسل).
{بِالْآيَاتِ}: الباء لتعدية الفعل، والآيات مجرور بالكسرة متعلق بـ {نُّرْسِلَ}.
{إِلَّا}: أداة حصر.
{أَن كَذَّبَ}: المصدر المؤول {أَنْ} والفعل في محل رفع فاعل لـ {مَنَعَنَا}، والتقدير: ما منعنا من إرسال الآيات إلا تكذيبُ الأولين بها وحتمية إهلاكهم بعدها.
{بِهَا}: متعلق بـ {كَذَّبَ}، {الْأَوَّلُونَ}: فاعل كذب مرفوع بالواو.
{تَخْوِيفًا}: مفعول لأجله منصوب بالفتحة الظاهرة (أو مصدر في موضع الحال أي مخوّفين).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الإجابة الحكيمة على تعنت المشركين بطلب الخوارق: بعد أن استعرضت الآيات السابقة كفرهم بالقرآن وبالبعث وبالتوحيد، كشفت هذه الآية عن شبهة كبرى كانوا يثيرونها: "لماذا لا يأتينا محمد بآية حسية كعصا موسى وناقة صالح؟!" فجاء البيان الإلهي رحمة بالمشركين وكشفاً للسنن الماضية.
ضرب المثل الحسي بناقة ثمود: خص ثمود وناقتهم؛ لأن بلاد ثمود (الحِجْر) كانت ممر تجارة قريش إلى الشام يرون آثار دمارهم بأعينهم؛ فكان المثال أوقع في نفوسهم؛ لأن ثمود طلبت ناقة تخرج من صخرة ملساء فلما خرجت كفروا بها فأهلكتهم الصيحة في الصباح.
حصر الغاية من الآيات الكونية في {تَخْوِيفًا}: لم تنزل الآيات للتسلية ولا لإشباع الفضول ولا للمباهاة، بل هي جند من جنود الله تخوف القلوب لتعود إلى خالقها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا لم يجب الله طلب قريش في تحويل الصفا ذهباً؟:
زعم بعض المبطلين أن عدم إجابتهم كان بسبب عجز الحاشا لله، أو تراجع في المعجزات!
المحاكمة العقلية والسننية الصارمة:
المعجزات المقترحة ليست للتحدي العلمي، بل هي تعنت نابع من الهوى؛ وسنة الله الثابتة أن الآية المقترحة إذا نزلت ولم يؤمن القوم عوجلوا بالاستئصال العام التام كالطوفان والصاعقة؛ والله تعالى كان يعلم بعلمه الأزلي أن قريشاً سيدخلون في دين الله أفواجاً بعد فتح مكة (كأبي سفيان وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص)، وأن من أصلابهم من سيفتح مشارق الأرض ومغاربها كأئمة الهدى؛ فكان الإمساك عن الآية الحسية عين الرحمة والحكمة البالغة لحفظ هذا الجيل الذي حمل رسالة الإسلام للعالم؛ وكان القرآن العظيم الحجة العقلية الباقية الخالدة التي تكفي كل عاقل منصف.
المجاز العقلي البديع في وصف الناقة بأنها {مُبْصِرَةً}: وصف الناقة بـ {مُبْصِرَةً} وهو من صفات ذوي البصيرة مبالغة في وضوح دلالتها؛ كأن الناقة نفسها صارت نوراً يرى ويبصر الحق من خلاله.
أسلوب الحصر في {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا}: حصر قاطع يبين وظيفة النوازل والآيات والكسوف والخسوف والزلازل؛ فليست حركات طبيعية محضة عمياء، بل هي رسائل تخويف إلهية موجهة لقلوب العباد كي يستيقظوا من سكرات الغفلة.
الإشارة والتدبر: إذا رأيت ظاهرة كونية غريبة، أو خسوفاً أو كسوفاً أو زلزالاً، فلا تقف موقف المتفرج السطحي ولا تكتفِ بالتفسيرات الجيولوجية الصماء؛ بل فزع إلى الصلاة والتوبة والصدقة كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنها آيات تخويف وتنبيه للغافلين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: عدم الانجرار خلف مطالب الجماهير التعنتية الفاقدة للإخلاص؛ بل التركيز على بيان القرآن وسلطان حجته؛ فالقرآن هو المعجزة الكافية لكل من أراد الحق.
التوجيه التربوي: استثمار الكوارث والظواهر الكونية في التربية الإيمانية وتجديد التوبة وربط الأجيال بالخالق المدبر.
الأثر الوجداني: يرتجف قلب المؤمن وجلاً عند سماع الرعد أو رؤية الكسوف أو اضطراب الأرض، فيفزع إلى رحمة ربه مردداً: "سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك".