بيان شح الإنسان وطبيعته البخيلة مقارنة بسعة الجود الإلهي:
روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص162) بإسناده عن ابن عباس وقتادة: قوله تعالى: {قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي}: يقول تعالى لنبيه: قل لهؤلاء المشركين الذين يقترحون عليك الآيات ويطلبون أن تفجر لهم الأنهار وتؤتيهم الأموال: لو أنكم أيها البشر ملكتم خزائن نعم الله وأرزاقه ورحمته التي لا تحصى ولا تبيد، {إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ}: إذاً لبخلتم بها ومنعتموها وضننتم بها عن الناس مخافة أن تنفد فتفقروا، {وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا}: وكان ابن آدم بطبعه بخيلاً ممسكاً ضيق العطاء جازعاً من الفقر.
ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص123): "يقول تعالى مخبراً عن فقر الإنسان وبخله وشحه: لو كان بيدكم خزائن رزق الله ورحمته التي لا تفنى ولا تبيد، لأمسكتم عن العطاء خشية أن ينفد ما بأيديكم؛ وذلك لضعف يقينكم وشح نفوسكم، والله تعالى يرزق خلقه أجمعين مع سعة خزائنه وجوده، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: 'يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه'".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص335): "القتور: البخيل الممسك، يقال: قتر يقتر تقتيراً إذا ضيق، ومنه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا}، والمراد أن طبيعة الإنسان إلا من عصم الله وهداه الإمساك والشح؛ فكيف يعترضون على قسمة الله لرحمته ونبوته وهو الجواد الكريم الذي يعطي بحكمة ويمنع بعدل؟!".
وجاء في تفسير السعدي (ص467): "هذا بيان لجهل الإنسان وظلمه وعجزه، فلو مكنه الله من خزائن الرزق لما أعطى غيره خوفاً من النفاد، فالحمد لله الذي تولى قسمة الأرزاق والرحمة برحمته الواسعة ولم يكلها إلى طباع العباد الشحيحة".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص335)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٣٥*جامع البيان* (ج15، ص162)جامع البيانالطبري١٥/١٦٢*تفسير السعدي* (ص467)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٦٧*تفسيره* (ج5، ص123)مصدر غير محدد٥/١٢٣
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والبنية الصرفية واللغوية:
{قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ}: قل فعل أمر، لو حرف شرط غير جازم يفيد امتناع الجواب لامتناع الشرط، {أَنتُمْ} ضمير منفصل فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور تقديره (لو تملكون أنتم تملكون) على مذهب جمهور البصريين، أو مبتدأ وجملة تملكون خبره على مذهب الكوفيين والأخفش، وجملة تملكون المذكورة مفسرة لا محل لها.
{خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي}: خزائن مفعول به منصوب، وهو جمع خزانة؛ وخزائن مضاف، ورحمة مضاف إليه، ورحمة مضاف وربي مضاف إليه ثانٍ؛ والمراد بالرحمة هنا الأرزاق والنعم والنبوة وكل ما يفيضه الله على خلقه.
{إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ}: إذاً حرف جواب وجزاء مهمل، اللام واقعة في جواب لو، وأمسكتم فعل ماض والتاء فاعله، وجملة جواب الشرط لا محل لها من الإعراب.
{خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ}: خشية مفعول لأجله منصوب بالفتحة الظاهرة؛ أي: أمسكتم لأجل مخافة النفاد والفقر؛ والإنفاق هنا بمعنى النفاذ والذهاب للمال، من قولهم: نَفَقَ الشيء إذا فرغ ونَفِدَ.
{وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا}: الواو استئنافية، كان واسمها المرفوع بالضمة، و{قَتُورًا} خبرها المنصوب، وقتور صيغة مبالغة على وزن فَعُول من قَتَرَ يَقْتُرُ إذا ضيّق وبخل، واللام في الإنسان لتعريف الجنس.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية البديع في سياق السورة:
تناسب بارع مع مقترحات المشركين التعجيزية: اقترح المشركون في الآيات السابقة (90-93) أن تفجر لهم الأنهار وتكون للنبي جنات من نخيل وعنب وبيت من زخرف، فبين الله تعالى أنهم حتى لو أعطوا خزائن الأرض كلها لخزنوها ومنعوها وبخلوا بها خشية الفقر؛ فكيف يتطاولون على حكمة الله في إعطاء الرسالة وبث الرحمة؟!
التناقض البشري الفاضح: المشركون يستكثرون أن يؤتي الله النبوة لرجل من البشر، ويزعمون أنهم أحق بالتحكم في العطاء والمنع، ففضح الله حقيقة أنفسهم بأنهم لو ملكوا مفاتيح الرحمة لمنعوها عن سائر الخلق شحاً وجبناً، فمن رحمة الله بالخلق أجمعين أنه لم يجعل مفاتيح رحمته بيد البشر.
التمهيد لقصة موسى مع فرعون في الآية التالية (101): حيث أوتي موسى تسع آيات بينات، ومع ذلك استكبر فرعون وظلم؛ لبيان أن العلة في الكفر ليست عدم مجيء الآيات بل هي العناد الإنساني والطباع الفاسدة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التحليل النفسي العميق للطبيعة البشرية ودفع التعارض المتوهم:
السؤال: هل كل إنسان قتور وبخيل؟ أليس في البشر كرماء وأجواد يجودون بالنفس والنفيس؟:
المحاكمة العقلية والتأصيل التفسيري:
حكم الجنس والطباع الفطرية المجردة: اللفظ القرآني يحكم على "طبيعة الإنسان" من حيث هي مجردة عن هداية الوحي وتزكية الإيمان؛ فالطبع البشري الأصيل مطبوع على الشح والهلع، كما قال تعالى في سورة المعارج: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ}؛ فاستثنى المصلين المزكين بنور الوحي.
الفرق بين جود الخالق وجود المخلوق:
جود المخلوق مهما عظم فهو محدود وقاصر وناقص؛ لأن المخلوق يخشى الفقر وينفد ما في يده، ويعطي بعوض (مدح أو أجر)، ويمسك متى شعر بالخطر على بقائه.
أما جود الخالق سبحانه فهو جود مطلق مستمر لا ينقطع ولا ينقص، لا يخشى فاقة ولا يرجو نفعاً، وخزائنه ملأى لا تغيضها نفقة، وهو الجواد الوهاب على الحقيقة دون سواه.
أسلوب الشرط بـ {لَوْ} الدال على امتناع الجواب لامتناع الشرط: بيّن أن ملكيتهم لخزائن الرحمة ممتنعة مستحيلة، فامتنع بالضرورة ما يترتب عليها من الإمساك المطلق، ولكنه افتراض كاشف لحقيقة النفوس ودفائنها.
المقابلة البليغة بين الكرم الإلهي والشح البشري: إضافة الخزائن إلى {رَحْمَةِ رَبِّي} تدل على غنى لا حد له ورحمة وسعت كل شيء، وقابلها بفعل {أَمْسَكْتُمْ} وصيغة {قَتُورًا} الدالة على أقصى درجات الضيق والبخل.
الالتفات والإسناد النفسي: قوله: {خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ} تصوير دقيق للعامل النفسي وراء البخل، وهو الخوف من النفاد والفقر؛ فالإنسان يبخل لا لحبه لذات الحبس فحسب، بل لتوهمه الدائم أن العطاء يذهب بالقوة ويجلب الفاقة.
الإشارة والتدبر: كم هي نعمة عظمى أن أرزاقنا ومصائرنا وآخرتنا بيد الله لا بأيدي الناس! فلو كانت رحمة الله بأيدي العباد لضاقت الدنيا بالناس وهلك الضعفاء، ولكنها بيد الرحمن الرحيم الذي يرزق الصالح والطالح، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: حث الناس على التعلق بالله وحده وقطع الرجاء عما في أيدي الناس؛ فالناس طبعهم الشح والإمساك، والله وحده هو الجواد الكريم الذي لا يسأل سائلاً إلا أعطاه.
التوجيه التربوي: معالجة داء الشح والبخل في النفوس عبر تربيتها على اليقين والتوكل والاستخلاف؛ فالمال مال الله، والمنفق في سبيل الله موعود بالخلف والبركة: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}.
الأثر الوجداني: يلهج لسان العبد بالحمد والشكر لله رب العالمين أن جعل مفاتيح الرحمة بيده سبحانه، ويتحرر قلبه من رق المخلوقين وخوف فقرهم، ويعيش غنياً بربه، معطاءً بما آتاه الله.