الفطرة التوحيدية عند الشدائد في لجج البحار ونكث العهد وجحود النعمة عند النجاة إلى البر:
يصف الحق سبحانه وتعالى مشهداً نفسياً واقعياً يفضح تناقض المشركين وزيف عقائدهم؛ فإذا ركبوا البحر وهاجت بهم الأمواج العاتية وأشرفوا على الهلاك والغرق ومسهم الضر الشديد، تلاشت وغابت من أذهانهم وقلوبهم جميع الآلهة والأصنام والأنداد التي كانوا يعبدونها ويدعونها في الرخاء؛ ولم يلهجوا إلا بالدعاء الخالص لله وحده لعلمهم الفطري أنه لا ينجي من كربات البحار إلا هو؛ فإذا استجاب دعاءهم وخلّصهم برحمته ونقلهم سالمين إلى يابسة البر، نكثوا عهدهم وأعرضوا عن توحيده وطاعته وعادوا إلى شركهم؛ وتلك طبيعة الإنسان الظالم لنفسه؛ شديد الجحود لنعم ربه كثير النسيان لآلائه.
تفسير الطبري (14/ 544)مصدر غير محدد١٤/٥٤٤: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد وابن عباس والحسن: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ}: أي إذا نزل بكم الخوف من الغرق وشدة الهول، {ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ}: غاب عن قلوبكم وذهب عن ألسنتكم كل ما كنتم تدعون من الآلهة والأوثان ولم تذكروا إلا الله وحده مخلصين له الدعاء، {فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ}: توليتم عن الإخلاص والتوحيد ورجعتم إلى آلهتكم، {وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا}: جحوداً لنعم الله ينسى الفضل في وقت الرخاء.
تفسير ابن كثير (5/ 71)مصدر غير محدد٥/٧١: يستشهد الحافظ ابن كثير بقصة إسلام عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه لما فر يوم فتح مكة وركب البحر ليلحق بالحبشة، فلعبت بهم عاصفة وكادت السفينة تغرق، فقال أصحاب السفينة: أخلصوا، فإن آلهتكم لا تغني عنكم هاهنا شيئاً إلا أن تدعوا الله وحده؛ فقال عكرمة في نفسه: «والله إن كان لا ينجي في البحر إلا الإخلاص فإنه لا ينجي في البر غيره، اللهم لك عليّ عهد إن نجيتني لأذهبن إلى محمد فلأضعن يدي في يده فلأجدنه عفواً كريماً»؛ فنجا وجاء وأسلم؛ فكانت آية البحر سبباً في انبعاث فطرته التوحيدية.
القرطبي (10/ 337)مصدر غير محدد١٠/٣٣٧: يذكر القرطبي أن {ضَلَّ} هنا بمعنى هلك أو غاب أو ضاع وزال؛ أي بطلت الآلهة ولم تخطر لهم على بال لعلمهم التام بعجزها؛ والاستثناء منقطع أو متصل بإجراء الله مجرى المدعوين على سبيل التغليب؛ وهو حجة عقلية دامغة على أهل الشرك.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
ضَلَّ: غاب واضمحل وزال وفقد أثره؛ ضل الشيء يضل إذا ضاع فلم يُهتدَ إليه.
كَفُورًا: صيغة مبالغة على وزن فَعُول من الكفر، وهو شديد الجحود لنعم الله وإنكار الفضل.
{إِيَّاهُ}: ضمير منفصل مبني في محل نصب مستثنى (استثناء منقطع إن اعتُبرت الآلهة غير الله، أو متصل بتغليب الإله الحق على الباطل، أو منصوب على نزع الخافض).
{نَجَّاكُمْ}: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف والفاعل مستتر تقديره هو، والكاف مفعول به.
{إِلَى الْبَرِّ}: متعلق بـ {نَجَّاكُمْ}.
{أَعْرَضْتُمْ}: فعل وفاعل، وهو جواب {لَمَّا} لا محل له.
الواو استئنافية، {كَانَ}: فعل ماض ناقص.
{الْإِنسَانُ}: اسم كان مرفوع بالضمة، و{كَفُورًا}: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إلزام المشركين بسلوكهم الفطري العملي: بعد أن حاجهم بالبراهين العقلية وتسبيح الأكوان، ألزمهم هنا بما يعترفون به في واقع حياتهم اليومية؛ فأنتم في الشدائد موحدون لا تدعون إلا الله، فلم ترجعون إلى الشرك في الرخاء؟! أليس هذا قمة السفه والتناقض؟!
المقابلة النفسية الحادة بين حالتين:
حال الخطر في البحر: تضرع، إخلاص تام، وسقوط لكل الآلهة المزعومة: {ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ}.
حال الأمان في البر: كفران، نكث للعهد، وإعراض عن المنعم: {فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ}.
التذييل بالحكم العام على الطبيعة البشرية: {وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا}؛ لبيان أن هذا الجحود مرض نفسي متجذر في الإنسان إذا تجرد من هداية الوحي ونور التقوى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة دعوى أن الشرك كان أصيلاً في المشركين:
يزعم بعض المؤرخين والمستشرقين أن عبادة الأصنام كانت قناعة عقلية راسخة عند كفار قريش لا يشوبها توحيد!
المحاكمة التحليلية النفسية من واقع النص القرآني:
الآية تثبت أن الشرك كان "قشرة سطحية" زائفة مصنوعة من العادات والمصالح التجارية؛ فلما جاء المحك الحقيقي واصطدموا بالموت وجهاً لوجه في البحر سقطت تلك القشرة الزائفة وصرخت الفطرة العميقة بـ "يا الله"؛ وهذا دليل علمي ونفسي قاطع على أن التوحيد هو الأصل الفطري الكامن في أعماق كل إنسان، وأن الشرك عارض طارئ يسقط عند الشدائد.
إيثار لفظ {ضَلَّ}: استعارة تمثيلية لضياع الآلهة وخيبتها؛ كأن الأصنام هربت واختفت ولم تجد طريقاً لإغاثتهم؛ وفي هذا أعظم تهكم بها وبعابديها.
التعبير بـ {مَسَّكُمُ}: مجرد المسيس الخفيف للخوف في البحر أطاح بجميع آلهتهم، فكيف لو نزل بهم العذاب الأكبر؟!
الإشارة والتدبر: احذر أن تكون "عابد أزمات"؛ تلتجئ إلى الله في أوقات المرض والامتحانات والفقر، فإذا كشف الله ضرك وفتح لك أبواب الدنيا نسيت المسجد وأعرضت عن الطاعات؛ فإن هذا من خصال الكفورين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: مخاطبة الفطرة الإنسانية الكامنة؛ فالداعية الحكيم يستثير مشاعر الحاجة إلى الله والافتقار إليه في قلوب التائهين، مذكراً إياهم بمواقف النجاة التي أنعم الله بها عليهم.
التوجيه التربوي: تدريب النفس على دوام الشكر في الرخاء؛ فمن تعرف إلى الله في الرخاء عرفه في الشدة كما صح في الوصية النبوية الشريفة.
الأثر الوجداني: يفيض قلب المؤمن حياءً وخجلاً من نعم الله المتتالية، مستشعراً قبح الإعراض بعد النجاة، ومعاهداً ربه على الثبات على التوحيد في الشدة والرخاء والمنشط والمكره.