روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص198) بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في تأويل الآية: يقول الله تعالى ذكره: الشكر الكامل والثناء المطلق والحمد التام لله الذي أنزل على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم هذا القرآن العظيم، هداية للعالمين ونوراً للمسترشدين، ولم يجعل في شيء من ألفاظه ومعانيه وحكمه عوجاً؛ أي لم يجعله ملتبساً متناقضاً مختلفاً يضل سالكه، بل جعله قيماً مستقيماً يعدل بالخلق إلى طريق الرشاد.
وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص136): "حمد تعالى نفسه المقدسة عند ابتداء هذه السورة الكريمة؛ فإنه المحمود على جميع أفعاله وصفاته، وعلى إنزاله كتابه العزيز على رسوله الكريم محمد صلوات الله وسلامه عليه؛ فإن القرآن أعظم نعمة أنعم الله بها على أهل الأرض؛ إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور، وجعله كتاباً مستقيماً لا عوج فيه ولا اعوجاج، بل يهدي إلى صراط مستقيم، بيّناً واضحاً جلياً".
وأوضح القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص352): "الحمد لله: استفتح بالحمد تعليماً لعباده كيف يحمدونه على أجل نعمه، و{عَلَىٰ عَبْدِهِ}: شرفه وأكرمه بوصف العبودية في مقام إنزال الكتاب؛ كما شرفه بها في مقام الإسراء {أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} ومقام الدعوة {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ}. ومعنى {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا}: أي ميلاً عن الحق ولا اختلافاً كما قال تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}".
وأشار الشيخ السعدي في تيسير الكريم الرحمن (ص469): "الحمد لله هو الثناء عليه بصفات الكمال ونعوت الجلال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، ومن أجل نعمه إنزال هذا الكتاب المبارك، ونفى عنه العوج بجميع وجوهه؛ فلا عوج في أخباره بكذب، ولا في أوامره ونواهيه بظلم أو عبث، بل كل أخباره صدق، وكل أحكامه عدل ورحمة".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص352)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٥٢*تيسير الكريم الرحمن* (ص469)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٦٩*جامع البيان* (ج15، ص198)جامع البيانالطبري١٥/١٩٨*تفسيره* (ج5، ص136)مصدر غير محدد٥/١٣٦
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والبنية الدلالية:
{الْحَمْدُ}: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، والألف واللام لاستغراق جميع المحامد.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل جر نعت للفظ الجلالة.
{أَنزَلَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله.
{عَلَىٰ عَبْدِهِ}: جار ومجرور متعلق بأنزل، والهاء ضمير متصل في محل جر مضاف إليه.
{الْكِتَابَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة، والمراد به القرآن العظيم، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{وَلَمْ يَجْعَل}: الواو حالية أو عاطفة، ولم حرف نفي وجزم وقلب، ويجعل فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو.
{لَّهُ}: جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثانٍ مقدم ليجعل.
{عِوَجًا}: مفعول به أول مؤخر منصوب بالفتحة الظاهرة (أو تمييز). والعِوَج بكسر العين يختص بالمعاني والأخلاق والأديان والأقوال كالميل والشك والتناقض، أما العَوَج بفتح العين فيختص بالأجسام والأعيان المرئية كالجدار والعود والطريق.
السكتة اللطيفة عند حفص: يقف حفص عن عاصم بسكتة لطيفة على قوله {عِوَجًا} دون تنفس قبل الابتداء بقوله {قَيِّمًا}؛ لبيان استقلال نفي العوج عن معنى الاستقامة، ولئلا يتوهم السامع أن قيماً نعت لعوجاً؛ لأن العوج لا يوصف بالاستقامة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية في المعمار القرآني:
كمال التناسب والالتحام بين ختام سورة الإسراء ومطلع سورة الكهف: ختمت الإسراء بأمر النبي والعباد بالحمد: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا}، وافتتحت الكهف بالفعل الإنشائي للحمد وتحقيقه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ}، فكانت الكهف تصديقاً وامتثالاً مباشراً لما دعت إليه الإسراء.
أسلوب "التخلية قبل التحلية": بدأ بنفي العوج {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا} لتطهير الساحة من كل ريب وتناقض، ثم ثنى بإثبات الاستقامة المطلقة في الآية التالية {قَيِّمًا}؛ لتكتمل أركان الكمال في المصدر والمضمون.
التمهيد للإنذار والبشارة في سياق السورة التي تعالج الفتن الكبرى وتثبت القلوب بنور هذا الكتاب القويم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة "التقديم والتأخير المتوهم" في نظم الآية:
زعم بعض المعربين قديماً أن في الآية تقديماً وتأخيراً تقديره: "أنزل على عبده الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً".
المحاكمة العقلية والبيانية الرصينة:
القرآن العظيم منزه عن الاضطراب أو التكلف النحوي الذي يلجأ إليه بعض النحاة؛ والنظم القرآني الواقع في الآية هو قمة الإعجاز البلاغي.
نفي العوج قُدم عمداً لأن سياق السورة نزل رداً على أسئلة امتحانية معقدة ألقاها المشركون بإيعاز من اليهود للتشكيك في صدق الوحي؛ فكان البدء بنفي العوج والاضطراب أسبق في دحض شبهاتهم وأبلغ في إفحامهم.
الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة ليس تكراراً؛ لأن الشيء قد لا يكون فيه عوج ظاهر ولكنه قاصر لا يقيم غيره؛ فنفى الله عنه العوج في ذاته، وأثبت أنه "قيم" في ذاته مقيم لغيره من مصالح البشرية والكتب السابقة.
التنكير في {عِوَجًا} في سياق النفي: يفيد العموم والشمول المطلق؛ أي لا يوجد أدنى عوج، لا في ألفاظه ولا في معانيه ولا في مقاصده.
تشريف مقام العبودية: التعبير بـ {عَلَىٰ عَبْدِهِ} دون ذكر اسمه الصريح تعظيم لمقام النبي صلى الله عليه وسلم، وتنبيه على أن أشرف مراتب الإنسان هي العبودية التامة لله.
الإشارة والتدبر: كل كتاب صنفه البشر يعتريه النقص والعوج والتعديل مع مرور الأيام وتبدل الأحوال، إلا كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ فمن استقام عليه استقام قلبه وحياته، ومن ابتغى الهدى في عوج الآراء هلك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ينبغي للداعية أن يجعل القرآن الكريم مرجعه الوحيد وميزانه القويم في الحكم على الأفكار والمذاهب، وأن يرسخ في عقول المخاطبين كمال هذا الدين واستقامته.
التوجيه التربوي: تربية النفوس على استشعار نعم الله الكبرى والبدء بالحمد والثناء في مستهل كل أمر ذي بال، وتربية العقل على رفض العوج والالتواء والنفاق.
الأثر الوجداني: يمتلئ قلب المؤمن بالراحة والسكينة واليقين التام؛ حين يدرك أن المنهج الذي يسير عليه محفوظ ومستقيم لا يضله ولا يشقيه في الدنيا والآخرة.