يقال للإنسان يوم القيامة حين يُعطى صحيفة عمله المنشورة: اقرأ ما دونته الملائكة الحفظة عليك من خير وشر؛ فقد أنصفك الله تبارك وتعالى حيث جعلك أنت الشاهد والحسيب على نفسك، فلا تقدر على إنكار عمل رأيته مسطوراً بخطك وفعلك.
تفسير الطبري (14/ 421)مصدر غير محدد١٤/٤٢١: يروي الطبري عن الحسن البصري ومجاهد وقتادة: «يُقرأ يوم القيامة من لم يكن يقرأ في الدنيا؛ فيقال له: اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، قال الحسن: عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك!».
تفسير ابن كثير (5/ 33)مصدر غير محدد٥/٣٣: يوضح الحافظ ابن كثير أن هذا الأمر أمر إلزام وتبكيت وإقامة للحجة البالغة؛ فإن العبد يعترف بكل ما في كتابه ولا يجد محيصاً عن الإقرار؛ لأنه يقرأ ذنوبه ذنباً ذنباً وسوءاته ساعة ساعة، وقد رفع الله عنه كل شبهة ظلم بأن جعل محاكمته بلسانه وقراءته.
القرطبي (10/ 239)مصدر غير محدد١٠/٢٣٩: يذكر القرطبي أن الحَسِيب هنا هو المحاسب والشاهد والرقيب؛ كقوله تعالى: {وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الحسيب: فَعِيل بمعنى مُحَاسِب أو كافٍ، يقال: حسب يحسب حساباً فهو حاسب وحسيب.
تذكير {حَسِيبًا} مع تأنيث {نَفْسِكَ}: ذُكِّرَ حسيب لأن النفس هنا يراد بها الشخص والإنسان، أو لأن صيغة فعيل يستوي فيها المذكر والمؤنث في بعض الاستعمالات.
إعراب {اقْرَأْ كِتَابَكَ}:
{اقْرَأْ}: فعل أمر مبني على السكون على إرادة القول (أي يقال له: اقرأ)، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{كِتَابَكَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والكاف ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
{كَفَىٰ}: فعل ماضٍ مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر.
الباء حرف جر زائد للتأكيد والإلزام في فاعل كفى.
{نَفْسِكَ}: اسم مجرور لفظاً بالباء الزائدة مرفوع محلاً على أنه فاعل {كَفَىٰ}، والكاف مضاف إليه.
{الْيَوْمَ}: مفعول فيه ظرف زمان منصوب متعلق بـ {حَسِيبًا} أو بـ {كَفَىٰ}.
{عَلَيْكَ}: جار ومجرور متعلق بـ {حَسِيبًا}.
{حَسِيبًا}: تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة (أو حال).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كمال الترتب المشهدي: في الآية السابقة: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا}، ثم فاجأه الخطاب المباشر الفوري في هذه الآية: {اقْرَأْ كِتَابَكَ}؛ بحذف جملة القول (يقال له) للإسراع في مباغتة العبد بالحقيقة، ونقله مباشرة إلى قفص الاتهام الذاتي.
تكرار لفظ الكاف للخطاب: {كِتَابَكَ}، {بِنَفْسِكَ}، {عَلَيْكَ}؛ تركيز هائل على حصر القضية في ذات العبد؛ فلا مجال للتملص ولا لإلقاء اللوم على الغير؛ أنت وحدك الكاتب، وأنت القارئ، وأنت الحاسب.
التنكير في {حَسِيبًا}: لإفادة الكفاية التامة والمبالغة في الإحاطة؛ فحسابك لنفسك كافٍ تماماً لإلزامك بالعقوبة وإقرارك بالعدل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة قراءة الأمي الذي لا يقرأ في الدنيا:
كيف يقال للأمي الذي قضى عمره في الدنيا لا يفك حرفاً: {اقْرَأْ كِتَابَكَ}؟
البرهان والرد العلمي: الآخرة دار خوارق وتبدل للطبائع؛ والقدرة الإلهية التي تجعل الجلود تنطق، والأيدي والأرجل تشهد، قادرة على أن تجعل الأمي يقرأ كتابه بصيراً بكل حرف فيه؛ إذ تنكشف البصائر وتتحول المعارف إلى حقائق مباشرة يدركها الإنسان دون تعلم مسبق؛ فالحجة تلزم الجميع بلا استثناء.
أسلوب الإيجاز بحذف القول: حذف (يقال له) لإبراز هيبة الأمر ورهبته.
التوكيد بالباء الزائدة في {بِنَفْسِكَ}: لتأكيد أن الحجة قطعية لا تدع مجالاً للمنازعة.
الإشارة والتدبر: ما أعدل هذا القضاء! وما أعظم هذا الإنصاف! أن تكون أنت القاضي على نفسك من واقع سجلات أفعالك؛ فحاسب نفسك اليوم قبل أن تحاسب، وزِن أعمالك قبل أن توزن عليك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: زرع ثقافة المحاسبة الذاتية والتوبة الصادقة؛ فمن حاسب نفسه في الدنيا خف حسابه في الآخرة.
التوجيه التربوي: تدريب النفس على استحضار أن كل سطر نكتبه اليوم في حياتنا سنقرأه غداً بصوتنا وبأعيننا؛ فليملأ الإنسان كتابه بما يسره أن يلقاه.
الأثر الوجداني: يذوب القلب حياءً ووجلاً من فضائح الذنوب؛ ويلهج بالدعاء: اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض عليك.