مؤامرات المشركين وثقيف لمساومة النبي صلى الله عليه وسلم على المداهنة في التوحيد والوحي:
يكشف الله تعالى لنبيه وللأمة حجم الضغوط والمكائد السياسية والدبلوماسية الهائلة التي مارسها صناديد قريش وثقيف؛ حيث سعوا بكل مكر وجهد ليصرفوك ويزحزحوك عما أوحيناه إليك من أحكام التوحيد ومحاربة الأصنام وتحريم الزنا والربا؛ لتختلق وتقول علينا غير ما أنزلنا موافقة لأهوائهم ورغباتهم؛ ولو فعلت ذلك لاتخذوك حبيباً وصديقاً وخليلاً مصافياً، ولكن الله عصمك وحماك من مساومتهم ومكرهم.
تفسير الطبري (14/ 558)مصدر غير محدد١٤/٥٥٨: يروي الطبري عن سعيد بن جبير وقتادة وابن عباس ومجاهد: نزلت الآية في وفد ثقيف حين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه شروطاً باطلة: أن يمتعهم بصنمهم اللات سنة كاملة لا يكسر، وأن يحرم واديهم حِمىً كما حرمت مكة، وألا يجبى عليهم ولا يعشروا ولا يركعوا في الصلاة؛ وقالوا: «إن سألتك العرب لم فعلت؟ فقل: إن الله أمرني بذلك»، فكاد النبي صلى الله عليه وسلم يلين لهم رغبة في إسلامهم وحقناً لدمائهم، فأنزل الله راداً عليهم وعاصماً لنبيه: {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}؛ وقيل: نزلت في قريش حين قالوا له: اجلس معنا ولا تطرد هؤلاء الضعفاء وسلّم على آلهتنا حتى نجالسك.
تفسير ابن كثير (5/ 74)مصدر غير محدد٥/٧٤: يقرر الحافظ ابن كثير أن الله تعالى أطلع نبيه على خبيئة نفوسهم؛ فهم لا يريدون الحق لذاته، وإنما يريدون التنازل المتبادل والمساومة على حساب العقيدة والوحي؛ ولو وافقهم على أدنى تنازل لاتخذوه خليلاً، ولكن الله ثبته وعصمه من المداهنة؛ كقوله تعالى في سورة القلم: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ}.
القرطبي (10/ 347)مصدر غير محدد١٠/٣٤٧: يذكر القرطبي أن "كاد" تفيد المقاربة دون الوقوع؛ أي قاربوا جهدهم وسعيهم، ولكن العصمة النبوية منعت أدنى ركون أو تنازل عن حرف واحد من الوحي؛ والخليل هو الصديق الملازم الذي تخللت محبته في القلب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
كادُوا: فعل ماض ناقص من أفعال المقاربة، يدل على قرب وقوع الخبر دون حصوله بالفعل.
الفَتْن: الصرف والإمالة والإزاحة عن الشيء بالخداع والضغط، فَتَنَهُ عن رأيه إذا أماله وصرفه عنه.
الخَلِيل: الصديق الخالص الذي تخللت محبته وخلته مسالك الروح والقلب، وفَعِيل بمعنى فاعل أو مفعول.
اللام لام التعليل أو العاقبة، {تَفْتَرِيَ}: مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل بالفتحة الظاهرة، والفاعل مستتر أنت.
{عَلَيْنَا}: متعلق بـ {تَفْتَرِيَ}.
{غَيْرَهُ}: مفعول به منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه.
الواو عاطفة، {إِذًا}: حرف جواب وجزاء مهمل.
اللام واقعة في جواب شرط مقدر (أي: لو فعلت ذلك لاتخذوك).
{اتَّخَذُوكَ}: فعل وفاعل ومفعول به أول.
{خَلِيلًا}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فضح أساليب الحرب الناعمة بعد فشل الحرب الخشنة: لما فشل المشركون في مواجهة الحجة بالحجة في الآيات السابقة، وفشلت أسلحة التكذيب والاستهزاء، لجأوا إلى "الحرب الناعمة" والمساومة السياسية وتقديم الإغراءات الدبلوماسية بالمصادقة والخلة؛ فكشف القرآن هذا الفخ بدقة متناهية.
صراحة التعبير بـ {لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ}: كشف لحقيقة ما يطلبه أهل الباطل؛ فهم لا يرضيهم إلا التخلي التام عن ثوابت الدين والافتراء على الله؛ فالمعركة ليست على تفاصيل فرعية بل على أصل مرجعية الوحي.
الارتباط الحتمي بآية التثبيت التالية: مهدت هذه الآية مباشرة لقوله في الآية (74): {وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ}؛ لبيان أن النجاة من هذه الفتن والمساومات ليست بالذكاء الشخصي، بل بتثبيت الله وعصمته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم وقوع الركون أو الشك من النبي صلى الله عليه وسلم:
قد يزعم طاعن أن قوله {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ} يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد شك أو قارب الوقوع في الشرك!
التحرير العقلي واللغوي المجمع عليه لعصمة الأنبياء:
"كاد" تدل في لغة العرب على قرب الفعل مع "انتفاء وقوعه" قطعاً؛ فالمعنى: بذل الكفار أقصى جهدهم وقاربوا استدراجك بالضغوط والرجاء والحرص على إسلامهم، ولكن التثبيت الإلهي منع وقوع أدنى ركون أو تنازل؛ فالهم والركون لم يقع أصلاً لوجود المانع الشرعي والرباني وهو العصمة الإلهية؛ فالآية في الحقيقة وسام شرف وإشادة بثبات النبي صلى الله عليه وسلم أمام أعتى الضغوط السياسية والمساومات الاجتماعية.
التعبير بـ {وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا}: كشف لطبيعة أهل الأهواء؛ فهم لا يمنحون ودهم ومحبتهم إلا لمن يتنازل عن مبادئه ويجاملهم في باطلهم؛ فإذا رفضت التنازل عادوك وشوهوك؛ فلا تطلب ودهم على حساب دينك.
اللام الفارقة في {لَيَفْتِنُونَكَ}: تفيد شدة الجهد والمحاولة المستميتة من الخصوم؛ مما يعظم قدر الثبات النبوي.
الإشارة والتدبر: كل داعية ومصلح سيتعرض لفتنة المساومة؛ إما بالمال أو بالمنصب أو بالقبول الإعلامي والشهرة؛ بشرط أن يسكت عن بعض الحق أو يداهن في بعض الأحكام؛ فإن ركن إليهم خسر خسراناً مبيناً وفقد نصرة الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: الحذر التام من فخ "التنازل عن الثوابت لتحقيق المصالح الدعوية الموهومة"؛ فالثبات على المبدأ هو أصل النصر، والمداهنة بداية السقوط والانحدار.
التوجيه التربوي: تنشئة القادة والدعاة على الاستعلاء الإيماني بالحق؛ وعدم الانخداع بابتسامات الخصوم وعهودهم المعلقة على التنازل عن الشريعة.
الأثر الوجداني: يفيض وجدان المؤمن حباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم المعصوم الثابت كالجبل الأشم أمام العواصف، مستحضراً قوله لعمه: "والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته".