البيان الحاسم لخطورة الركون ومضاعفة العذاب لخاصة المقربين لو وقع وتجريد النصرة إلا من الله:
يقرر الحق سبحانه وتعالى أصلاً عظيماً في العدل والمسؤولية؛ فلو فرض فرضاَ محالاً أنك ملت إليهم أو طاوعتهم في شيء من أهوائهم، إذاً لأذقناك ضعف عذاب الحياة الدنيا وضعف عذاب الممات في القبر والآخرة مضاعفاً جزاءً لرفعة منزلتك وكمال الحجة عليك؛ ثم لا تجد لك أحداً ينصرك من بأسنا أو يمنعك من قضائنا؛ وهذا من باب "إياكِ أعني واسمعي يا جارة"؛ لتدرك الأمة خطورة المداهنة في الدين، وأن المقربين إذا أخطأوا عوقبوا بأشد مما يعاقب به غيرهم.
تفسير الطبري (14/ 562)مصدر غير محدد١٤/٥٦٢: يروي الطبري عن قتادة وابن عباس ومجاهد والضحاك والحسن: {إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ}: قال ابن عباس وقتادة: «أي ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب القبر والآخرة؛ أي مثلَي ما نعذب به غيرك من الناس»، وذلك لأن من عظم الله نعمته عليه وقرّبه كان ذنبه أعظم لو وقع، {ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا}: لا تجد ناصراً ينصرك من الله ولا مدافعاً يدفع عنك عقابه إن نزل.
تفسير ابن كثير (5/ 75)مصدر غير محدد٥/٧٥: يوضح الحافظ ابن كثير أن هذا وعيد مشروط على تقدير ممتنع الوقوع؛ كقوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، وقوله في الحاقة: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}؛ والغرض بيان كمال العدالة الإلهية، وأن شريعة الله لا تحابي أحداً، وأن مقام النبوة منزه عن المداهنة؛ فإذا كان هذا الخطاب للأشرف الأكرم فكيف بمن دونه من الحكام والدعاة؟!
القرطبي (10/ 350)مصدر غير محدد١٠/٣٥٠: يذكر القرطبي أن الضعف في كلام العرب هو المثل، وضعف الشيء مثلاه؛ والمعنى: عذاباً مضاعفاً في الدنيا والآخرة؛ لأن العالم بمقدار الجرم والنعمة يعاقب بأضعاف ما يعاقب به الجاهل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الضِّعْف: في الأصل المثل وزيادة، يقال: ضِعْفُ الشيء أي مثلُه، وضِعْفاه أي مثلاه؛ والمراد هنا: العذاب المضاعف مَرَّاتٍ لتعظيم الجرم.
النَّصِير: المدافع والمعين الذي يمنع العذاب ويدفع البأس، فَعِيل بمعنى فاعل.
{إِذًا}: حرف جواب وجزاء مهمل لوقوعه في جواب شرط مقدر.
اللام واقعة في جواب شرط مقدر (أي: لو ركنت إذاً لأذقناك).
{أَذَقْنَاكَ}: فعل ماض مبني على السكون و{نَا} فاعل، والكاف مفعول به أول.
{ضِعْفَ}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة وهو مضاف.
{الْحَيَاةِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة (على حذف مضاف؛ أي ضعف عذاب الحياة).
{وَضِعْفَ الْمَمَاتِ}: معطوف منصوب ومضاف إليه.
إعراب {ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا}:
{ثُمَّ}: حرف عطف للتراخي في الرتبة والتهويل.
{لَا}: نافية.
{تَجِدُ}: مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره أنت.
{لَكَ}: متعلق بمحذوف حال من نصيراً.
{عَلَيْنَا}: متعلق بـ {نَصِيرًا}.
{نَصِيرًا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام السور الواقي حول النبوة والوحي: تتابعت ثلاث آيات (73-75) في بناء تشريعي ونفسي معجز:
كشف محاولة الفتنة والمساومة: {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ}.
إعلان الحماية والتثبيت الإلهي المانع للركون: {وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ}.
بيان العقوبة الافتراضية الصارمة لقطع كل طمع في المداهنة: {إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ}.
فأغلقت الآيات كل باب أمام كفار قريش وثقيف، وقطعت أطماعهم في استدراج النبي إلى أي تسوية على حساب الدين.
قاعدة "مضاعفة الجزاء بحسب المنزلة": أسس السياق لقانون عدلي صارم؛ فالمسؤولية تتناسب طرداً مع عظمة النعمة وعلو الرتبة؛ كما قال تعالى في نساء النبي: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ}.
الحسم النهائي بنفي {نَصِيرًا}: ختم الآية بنفي وجود أي نصير أمام قدرة الله؛ ليوقن العباد أن القوة لله جميعاً، ولا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الوعيد الشديد وهو المعصوم المحبوب؟:
كيف يتوجه هذا التهديد بالعذاب المضاعف إلى حبيب الله وخاتم رسله المعصوم؟!
المحاكمة العقلية والتربوية والتشريعية البالغة:
التنزيه والتعريض بالأمة (إياكِ أعني واسمعي يا جارة): الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن المراد الحقيقي هو قادته وأمته من بعده؛ فإذا كان المعصوم المؤيد بالوحي لو قارب الركون لعوقب بأضعاف العذاب، فكيف بمن بعده من العلماء والحكام والدعاة إذا داهنوا الظالمين وباعوا دينهم بعرض من الدنيا؟! فالخطاب يغلق باب الركون في وجه الأمة إلى قيام الساعة.
إثبات بشرية الرسول والعبودية المحضة: الآية تؤكد أن النبي عبد لله لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وأن الشريعة حاكمة عليه وعلى غيره؛ مما يقطع داء الغلو في الأنبياء وتأليههم كما فعلت النصارى في عيسى عليه السلام.
الاستعارة في {لَّأَذَقْنَاكَ}: استعارة حسية؛ فالذوق أبلغ في الإحساس بمرارة الألم ووصوله إلى أعماق النفس والجسد.
حذف المضاف في {ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ}: إيجاز بحذف المضاف (أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات)؛ لإفادة الشمول؛ كأن الحياة والممات كلها تحولت إلى عذاب مضاعف.
الإشارة والتدبر: كلما زاد علمك بالقرآن والسنة عظمت مسؤوليتك أمام الله؛ فزلة العالم ليست كزلة الجاهل؛ فاحذر أن تداهن أصحاب السلطة أو تفتي بغير الحق إرضاءً للناس؛ فإنك لن تجد لك من الله نصيراً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ثبات أهل العلم والدعوة على الصدع بالحق؛ واليقين بأن رضا الله مقدم على رضا جميع الخلق؛ والمداهنة في الدين خيانة للأمانة.
التوجيه التربوي: ترسيخ مبدأ سيادة الشريعة والعدالة التامة؛ فلا حصانة لأحد في ميزان الحساب والمسؤولية الشرعية.
الأثر الوجداني: يمتلئ قلب المؤمن خشوعاً وهيبة لجلال الله وعدله، متجرداً من كل حول وقوة، ومعلقاً قلبه بالله وحده الذي لا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه.