مواصلة تعنت المشركين باقتراح البساتين الخضراء والأنهار المتدفقة للنبي صلى الله عليه وسلم:
يواصل القرآن الكريم حكاية مطالب مشركي قريش التعنتية؛ فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أو يكون لك بستان عظيم (جنة) من نخيل وأعناب تملكه لنفسك وتستغني به عن فقر الحاجة، فتجري الأنهار المتدفقة بين أرجائه وأشجاره شقاً وإجراءً متسعاً؛ لنرى غناك وثراءك المادي رأي العين؛ فيؤمنوا به كملك ثري لا كرسول هداية.
تفسير الطبري (14/ 602)مصدر غير محدد١٤/٦٠٢: يروي الطبري عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ}: قالوا يا محمد إن كنت لا تفجر لنا ينبوعاً عاماً في مكة، فاجعل لنفسك بستاناً خاصاً بك تأكل منه وتستغني به، {فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا}: تشق الأنهار شقاً بين أشجارها ونخيلها وأعنابها؛ فجعلوا الإيمان معلقاً بمظاهر الترف والبساتين المادية.
تفسير ابن كثير (5/ 86)مصدر غير محدد٥/٨٦: يوضح الحافظ ابن كثير أن كفار قريش قاسوا منزلة النبوة بمقاييس الملوك والتجار؛ فرأوا أن الرسول لا بد أن يكون صاحب قصور وجنان وأنهار؛ وغفلوا عن أن زهد النبي صلى الله عليه وسلم وفقره الاختياري كان أعظم آية على صدقه وتجرده لله؛ فلو كان طالب دنيا لجمع له كبراء قريش ما شاء من الأموال.
القرطبي (10/ 381)مصدر غير محدد١٠/٣٨١: يذكر القرطبي أن الجنة هي البستان ذو الشجر الكثيف الملتف الذي يجنّ (يستر) ما بداخله؛ وخص النخيل والعنب لأنهما أشرف وألذ ثمار العرب؛ والتفجير هو الشق المتسع للماء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الجَنَّة: البستان ذو الشجر الكثيف المتشابك الذي يستر الأرض بظلاله، من الجَنّ وهو الستر والخفاء.
خِلَالَهَا: بين أرجائها ومسالكها وفي وسط أشجارها، مأخوذ من الخَلَل وهو الفُرْجَة بين الشيئين.
تَفْجِيرًا: مفعول مطلق مؤكد للفعل، ويفيد الكثرة والاتساع والشدة في شق مجاري المياه.
{خِلَالَهَا}: ظرف مكان منصوب متعلق بـ {تُفَجِّرَ}، والهاء مضاف إليه.
{تَفْجِيرًا}: مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة مؤكد لعامله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج من المنفعة العامة إلى الخاصة:
في الآية (90) طلبوا ينبوعاً عاماً لأهل مكة جميعاً: {تَفْجُرَ لَنَا}.
في الآية (91) تنزلوا فطلبوا بستاناً خاصاً به هو: {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ}؛ ليثبتوا في حسهم المادي أن هذا النبي يستحق التعظيم المالي.
تخصيص ثمار السيادة العربية: خص {نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ}؛ لأن التمر والعنب كانا غاية النعيم ومظهر الثراء في الجزيرة العربية والشام؛ مما يعكس سقف طموحهم البيئي والمادي.
التأكيد بالمفعول المطلق {تَفْجِيرًا}: لإظهار رغبتهم في رؤية مشهد دراماتيكي مبهر؛ لا مجرد ساقية ماء عادية، بل تفجير متسع هائل للأنهار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا يعيش النبي فقيراً وزاهداً ولا يملك مثل هذه الجنان؟:
تساءلت قريش: كيف يكون رسولاً لرب العالمين ويسكن بيتاً من طين ويمر عليه الهلال والهلالان لا يوقد في بيته نار؟!
المحاكمة العقلية والحكمة النبوية السامية:
لو بُعث النبي صلى الله عليه وسلم ملكاً ثرياً تحيط به الجنان والأنهار والخدم، لقال الناس: ما تبعه أصحابه إلا طمعاً في دنياه وثرائه؛ ولكان قدوة للأغنياء فقط دون الفقراء والمساكين؛ ولكن الله جعله عبداً رسولاً؛ ليحبه المؤمنون لذات رسالته ودينه، وليكون قدوة لأفقر إنسان وأغنى إنسان؛ وليثبت أن قيمة الإنسان عند الله ليست برصيد البساتين والأموال، بل بطهارة الروح وتقوى القلب.
التنكير في {جَنَّةٌ}: للتعظيم والفخامة؛ أي بستان فخم رائع مليء بأصناف الثمار.
المفعول المطلق {تَفْجِيرًا}: يفيد قوة الحركة والمشهد البصري المائي المتدفق بين الأشجار.
الإشارة والتدبر: جنان الدنيا ونخيلها وأعنابها زائلة محكوم عليها بالجفاف والبلى؛ فلا تجعل متاع الدنيا الفاني شرطاً لإيمانك أو ميزاناً لعزتك؛ وتذكر جنات النعيم التي أعدها الله للمتقين فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: عدم التمظهر بالثراء لإقناع الناس بالحق؛ فقوة الداعية في صدقه وزهده وإخلاصه وتواضعه لا في مظاهر البذخ الدنيوي.
التوجيه التربوي: تصحيح المفاهيم القيمية عند الشباب؛ فالمجد والرفعة بصالح الأعمال والإيمان لا بالسيارات الفارهة والقصور الشامخة.
الأثر الوجداني: يفيض وجدان المؤمن حباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي خيره جبريل بين أن يكون نبياً ملكاً أو عبداً رسولاً، فاختار أن يكون عبداً رسولاً يجوع يوماً فيتضرع ويشبع يوماً فيشكر.