إحاطة العلم الإلهي بمؤامرات الكفار ونجواهم وافترائهم بالسحر على النبي صلى الله عليه وسلم:
يخبر الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بعلمه التام المحيط بنوايا صناديد قريش وأغراضهم الخبيثة حين يأتون لاستماع قراءته للقرآن؛ فهم لا يستمعون طلباً للهداية، وإنما يستمعون بهدف الاستهزاء والتربص والبحث عن مطعن، وإذا خلوا تناجوا فيما بينهم بالمكر، فيقول كبراؤهم الظالمون لدهماء الناس تحذيراً وتضليلاً: ما تتبعون إن آمنتم بمحمد إلا رجلاً قد سُحر واختلط عليه عقله؛ ففضح الله سرائرهم وسلى نبيه وأبطل كيدهم.
تفسير الطبري (14/ 496)مصدر غير محدد١٤/٤٩٦: يروي الطبري عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك في سبب نزول الآية: «أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي في بيته بالليل، فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه، ولا يعلم أحد منهم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً! فلما كانت الليلة الثانية عادوا، وتلاقوا، ثم تعاهدوا ألا يعودوا، ثم تناجوا فقال بعضهم: هو ساحر، وقال بعضهم: هو مسحور، فأنزل الله تعالى: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ}».
تفسير ابن كثير (5/ 58)مصدر غير محدد٥/٥٨: يوضح الحافظ ابن كثير أن الله تعالى كشف خبيئة نفوسهم وتناجيهم السري لرسوله؛ مسلياً له بأن تكذيبهم وافتراءهم بالسحر لم يكن عن خفاء الحق عليهم، وإنما كان عن جحود وعناد وظلم مكشوف؛ وسماهم الله {الظَّالِمُونَ} لوضعهم البهتان في موضع الحجة.
القرطبي (10/ 303)مصدر غير محدد١٠/٣٠٣: يذكر القرطبي أن النجوى مصدر أقيم مقام الاسم؛ أي وإذ هم يتناجون، والمسحور إما المخدوع الذي سُحر فزال عقله، أو الذي له سَحْر (أي رئة) فهو بشر يأكل ويشرب ولا يصلح للرسالة بزعمهم، والأول أظهر وأشهر في لسان العرب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
النَّجْوَى: التناجي والمسارة بالحديث في خفاء؛ وهو مصدر يوصف به الواحد والجمع، يقال: قوم نجوى أي متناجون.
المَسْحُور: الذي أصابه السحر فاختل عقله أو تخيل ما لا حقيقة له؛ أو مشتق من السَّحْر (بفتح السين وسكون الحاء) وهو الرئة والجوف؛ أي ذو رئة يتنفس ويطعم كالبشر، لكن إطلاقه في سياق الاتهام يدل على رميه بالجنون واختلاط العقل بالسحر.
{مَّسْحُورًا}: نعت منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة القول في محل نصب مفعول به مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف الأستار عن التآمر الداخلي: لما بين في الآية السابقة نفورهم الظاهر وتوليهم على أدبارهم، كشف هنا ما يدور في غرفهم المغلقة ونجواهم الليلية؛ ليطمئن قلب النبي بأن مؤامراتهم مكشوفة في قبضة العلم الإلهي.
تكرار الظرف {إِذْ} ثلاث مرات:
{إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ}: عند مباشرة الاستماع بالاستهزاء.
{وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ}: عند خلوتهم وتآمرهم السري.
{إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ}: عند نطقهم بالفرية الصريحة.
هذا التكرار يجسد المشاهد المتتابعة لمكرهم وحصار العلم الإلهي لكل لحظة من لحظات تآمرهم.
التعبير بالاسم الظاهر {الظَّالِمُونَ} بدلاً من الضمير: لتسجيل صفة الظلم عليهم تسجيلاً أبدياً؛ فقولهم هذا ظلم صريح للحق وللرسول ولأنفسهم ولأتباعهم الذين يضللونهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة دعوى أن النبي صلى الله عليه وسلم "مسحور":
روج المشركون فرية أن الرسول مسحور ليهربوا من الإقرار بإعجاز القرآن وبلاغته الإلهية.
المحاكمة العقلية لإبطال هذه الفرية:
المسحور يختلط كلامه، ويضطرب عقله، ويأتي بالتناقضات والهذيان؛ بينما القرآن نزل في أعلى مراتب الفصاحة والبيان والتشريع المحكم المعجز الذي تحدى فصحاء العرب أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا؛ فكيف يصدر هذا الكلام المعجز المشرق من رجل مسحور؟! إن رميهم له بالسحر دليل عجزهم التام عن مواجهة الحجة بمثلها، فلجأوا إلى الاغتيال المعنوي والشائعات الكاذبة.
التعبير بالمصدر {نَجْوَىٰ} خبراً عنهم: مبالغة في تصوير تلبسهم بالتآمر؛ حتى كأنهم هم أنفسهم تجسدوا وصاروا نجوى خالصة تمشي على الأرض.
التقديم في قوله {نَّحْنُ أَعْلَمُ}: إفادة الحصر والتطمين؛ أي نحن وحدنا المحيطون بخبثهم ومكرهم، فلا تكترث بما يخططون له؛ فإن كيدهم تحت بصرنا وتدبيرنا.
الإشارة والتدبر: كل مجلس سرّي يُعقد لمحاربة الحق والمصلحين هو مكشوف عند الله في كتاب مبين؛ فليطمئن المظلوم، وليعلم المتآمر أن الله يسمع دبيب نملته وسر نجواه وسيحاسبه عليها بمثاقيل الذر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ثبات الدعاة أمام حملات التشويه والاغتيال المعنوي؛ فوصف الدعاة بالجنون أو العمالة أو التخلف هو سنة قديمة سلكها الظالمون ضد الأنبياء جميعاً؛ وعلاجها الاستمرار في الصدع بالحق وعدم الالتفات لشبهاتهم.
الأثر الوجداني: يمتلئ قلب المؤمن بالسكينة والأمان لعلمه بأن الله يرى كيد الأعداء ويسمع نجواهم، فتنكسر شوكة الخوف في قلبه ولا يرجو إلا الله ولا يخشى سواه.