دستور التوسط والاعتدال في الإنفاق ونبذ الشح والسفه:
يرسم الله جل وعلا المنهج الاقتصادي والأخلاقي المتوازن لأمة الإسلام؛ محذراً من طرفي النقيض المهلكين: البخل والشح المانع للحقوق، والإسراف المفرط المبدد للثروات؛ فإن البخيل يصير مذموماً ملوماً عند الناس، والمسرف يصير عاجزاً حسيراً منقطعاً لا يملك ما ينفق على نفسه وأهله.
تفسير الطبري (14/ 455)مصدر غير محدد١٤/٤٥٥: يروي الطبري عن ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والحسن، ومسروق: هذا مثل ضربه الله للنهي عن الشح والإسراف؛ {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ}: لا تمسك يدك عن الإنفاق في الحق والواجب فتكون كالمغلول المقيد الذي لا يقدر على مد يده بالعطاء، {وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}: ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك وتخرج جميع ما في يدك، {فَتَقْعُدَ مَلُومًا}: يلومك أهلك وعيالك ومن تعول على تضييعهم، {مَّحْسُورًا}: منقطعاً أفرغت يدك من المال فلم يبق عندك شيء، كالناقة الحَسِير التي أعيت وانقطعت في السير فعجزت عن الحركة.
تفسير ابن كثير (5/ 47)مصدر غير محدد٥/٤٧: يوضح ابن كثير أن الآية تأمر بالقصد والعدل في المعيشة والإنفاق؛ كقوله تعالى في سورة الفرقان: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا}، وفي الحديث النبوي: «مَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ».
القرطبي (10/ 268)مصدر غير محدد١٠/٢٦٨: يذكر القرطبي أن الحَسِير هو المنقطع المعيي الذي أنفد زاده وسلاحه وراحته، وأن التوسط فضيلة بين رذيلتين: رذيلة البخل ورذيلة السفه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{كُلَّ}: نائب عن المفعول المطلق منصوب بالفتحة وهو مضاف (لإضافته إلى المصدر).
{الْبَسْطِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
إعراب {فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا}:
الفاء فاء السببية واقعة في جواب النهيين.
{تَقْعُدَ}: مضارع منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد فاء السببية بالفتحة، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{مَلُومًا}: حال أولى منصوبة بالفتحة الظاهرة (أو خبر لتقعد إن ضمنت معنى تصير).
{مَّحْسُورًا}: حال ثانية منصوبة بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التمثيل البصري البديع للفضيلة الاقتصادية: رسم النظم القرآني صورتين متناقضتين:
صورة اليد المغلولة إلى العنق: تصوير فني حركي لمنظر البخيل الشحيح، الذي تنكمش يده عن النفقة كأن قيداً يشدها شداً وثيقاً إلى عنقه.
صورة اليد المبسوطة كل البسط: تصوير لمن ألقى بكل ما في يده دفعة واحدة في سفه وتبذير حتى خلت كفه من كل درهم.
المقابلة بين العاقبتين:
فاليد المغلولة تجلب اللوم {مَلُومًا} من الله ومن الناس الذين حرمهم حقهم وبخل عليهم.
واليد المبسوطة كل البسط تجلب الحسرة والإعياء {مَّحْسُورًا} بالعجز والفقر والندم.
فكان المنهج الإسلامي هو التوسط والاعتدال القويم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة النهي عن بسط اليد مع فعل أبي بكر رضي الله عنه حين تصدق بماله كله:
كيف ينهى القرآن عن بسط اليد كل البسط، وقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم من أبي بكر الصديق نفقته بجميع ماله في غزوة تبوك وقال: «ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله»؟
التحرير الفقهي ومراعاة مراتب الناس: الخطاب في الآية تشريع عام للأمة ولمن يخشى على نفسه الفتنة والندم وضياع عياله؛ فالغالب على البشر أنهم إذا أنفقوا كل شيء ندموا واشتكوا وعجزوا؛ أما كُمَّل الأولياء وأصحاب اليقين الراسخ كالصديق رضي الله عنه الذين لا تتزلزل قلوبهم ولا يندمون قط ولهم قدرة تامة على الكسب والتوكل، فيجوز لهم التصدق بالمال كله؛ فالنهي معلل بخشية القعود ملوماً محسوراً، فإذا أمن المحذور ووجد اليقين جاز ذلك في النوازل العامة.
استعمال فعل {فَتَقْعُدَ}: إشارة إلى العجز والانقطاع عن مواصلة السير في الحياة كالمقعد الذي لا يملك حراكاً.
الإشارة والتدبر: الاقتصاد نصف المعيشة؛ وحسن إدارة الموارد هو الضمان لكرامة الإنسان واستقلاله المالي؛ فلا تكن شحيحاً فتبغض، ولا تكن مسرفاً فتعجز وتفلس.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: إبراز توازن الشريعة الإسلامية في التشريع المالي؛ فلا اشتراكية تلغي الملكية وتسلب الحوافز، ولا رأسمالية متوحشة تكرس البخل والاحتكار؛ بل وسطية إيمانية عادلة.
التوجيه التربوي: تدريب النفس والأسرة على الميزانية المتوازنة وحسن التدبير؛ وتعليم الأبناء مبدأ (لا وكس ولا شطط) في المصاريف والنفقات.
الأثر الوجداني: يطمئن قلب المؤمن إلى حكمة ربه وتشريعه، ويعيش حياة كريمة هانئة بالقناعة والتوسط، مستغنياً بربه عن سؤال الخلق.