الاستدلال بخلق السماوات والأرض على البعث وتقرير الأجل المحتوم:
روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص159) بإسناده عن قتادة وابن زيد في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}: يقول تعالى ذكره: أغفل هؤلاء المشركون المنكرون للبعث ولم ينظروا بعقولهم فيعلموا أن الله الذي خلق هذا الكون الهائل من السماوات السبع والأرضين السبع على عظمتها واتساعها وإحكامها، قادر على أن يعيد خلق هؤلاء الأناسي الضعفاء الصغار مثلما كانوا؟! {وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَّا رَيْبَ فِيهِ}: أي وقتاً معلوماً لموتهم، ووقتاً معلوماً لقيامتهم وبعثهم لا شك فيه ولا تأخير عنه، {فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا}: فأبى المشركون إلا جحوداً وتكذيباً بالحق بعد وضوح الدليل وسطوع البرهان.
ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص122): "ينبه تعالى على قدرته التامة التي بها خلق السماوات والأرض وما بينهما، وهو دليل قطعي على قدرته على إعادة الأبدان كما قال تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ}، وقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. وقوله: {وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَّا رَيْبَ فِيهِ}: يعني مدة مضروبة لعمرهم في الدنيا، وموعداً لا يخلف لحشرهم ونشورهم".
وبين الفخر الرازي في مفاتيحه (ج21، ص71): أن الاستدلال بخلق الأجرام العظام على خلق الأجرام الصغار استدلال بالبرهان العقلي البديهي؛ لأن القادر على الشيء العظيم قادر على ما دونه من باب الأولى والأحرى.
وأشار الشيخ السعدي في تفسيره (ص467): "هذا برهان قاطع عقلي؛ فالسماوات والأرض أعظم خلقاً من الناس، فالذي خلقهما مع كمال عظمتهما قادر على أن يخلق مثل هؤلاء البشر الضعاف، وجعل لهم أجلاً ينتهون إليه لا ريب فيه؛ ولكن الظالمين أصروا على الكفر لظلمهم وهواهم لا لقصور في الحجة".
*جامع البيان* (ج15، ص159)جامع البيانالطبري١٥/١٥٩*مفاتيحه* (ج21، ص71)مصدر غير محدد٢١/٧١*تفسيره* (ج5، ص122)مصدر غير محدد٥/١٢٢*تفسيره* (ص467)مصدر غير محدد٤٦٧
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والبنية التركيبية:
{أَوَلَمْ يَرَوْا}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التقريري، والواو عاطفة على مقدر (أي: أغفلوا ولم يروا)، ولم حرف نفي وجزم وقلب، ويروا فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
{أَنَّ اللَّهَ... قَادِرٌ}: أن حرف توكيد ونصب، ولفظ الجلالة اسمها، وجملة {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} صلة الموصول {الَّذِي} لا محل لها، و{قَادِرٌ} خبر أن، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها سد مسد مفعولي يروا (لأن الرؤية هنا قلبية علمية).
{وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا}: الواو عاطفة أو حالية، جعل فعل ماض فاعله ضمير يعود على الله، وأجلاً مفعول به، ولهم جار ومجرور متعلق بجعل.
{لَّا رَيْبَ فِيهِ}: لا نافية للجنس، وريب اسمها مبني على الفتح، وفيه جار ومجرور خبر لا، والجملة في محل نصب نعت لـ {أَجَلًا}.
{فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب مع السببية، أبى فعل ماض، والظالمون فاعل مرفوع بالواو، وإلا أداة حصر واستثناء مفرغ، و{كُفُورًا} مفعول به لـ {أَبَى}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية في سياق الرد على منكري البعث:
ارتباط وثيق بالآية السابقة: بعد أن حكى استغرابهم وإنكارهم في قوله: {أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}، ألقمهم هذا الدليل الحسي المشاهد بالنظر إلى عظمة الكون المحيط بهم؛ لإثبات أن إعادتهم هينة يسيرة على من خلق هذا الوجود الهائل.
الانتقال من الدليل على المبدأ والقدرة الإلهية إلى التذكير بـ "الأجل المحتوم"؛ لإشعارهم بأن تأخير العذاب ليس لعجز أو إهمال، وإنما هو لانتظار الأجل المسمى المكتوب.
وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: {فَأَبَى الظَّالِمُونَ} بدلاً من "فأبوا"؛ لتعليل سبب هذا الرفض بأنه "الظلم" المحض المتأصل في نفوسهم، وليس لفقدان الدليل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المحاكمة العقلية لبرهان "قياس الأولى والأحرى" وتفسير قوله {مِثْلَهُمْ}:
السؤال العقلي: ما وجه الاستدلال بخلق السماوات والأرض على إعادة الناس؟:
التحليل المنطقي:
الإنسان في المقياس الكوني ليس سوى جرم صغير جداً مقارنة بالسماوات والأرض وأجرام الفضاء وأبعادها المهولة وتوازنها الدقيق.
البديهة العقلية تقضي بأن الصانع القادر على بناء الصرح العظيم المتماسك دون أعمدة يراها الناس، لا يعجزه أبداً بناء كوخ صغير أو إعادة تركيبه؛ فمن خلق الأكبر وأتقنه، كان على خلق الأصغر أقدر وأهون في العرف العقلي.
دفع إشكال حول قوله {أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ}؛ هل المعاد عين الأول أم مثله؟:
التحقيق العقلي والكلامي عند أهل السنة:
التعبير بـ {مِثْلَهُمْ} لا يعني خلق أشخاص آخرين غيرهم ليعاقبوا بدلاً منهم؛ لأن هذا ينافي العدل الإلهي، وإنما المراد:
أن يعيدهم كما كانوا في الدنيا من الصورة والصفات والشبه الإنساني التام، فالمعاد هو عين الشخص بروحه وجوهره، ومثله في تجدد الهيكل والأجزاء الترابية.
أو المراد: قادر على أن يخلق بشراً مثلهم في الإنسانية والتركيب بعد إفنائهم، فإذا ثبتت القدرة على خلق الأمثال ثبتت القدرة على إعادة الأعيان؛ لأن حكم الشيء حكم مثله، والقدرة على الجنس قدرة على الأفراد.
الاستفهام التقريري الإنكاري: في {أَوَلَمْ يَرَوْا} لحث العقول وإثارة البصائر للالتفات إلى الآيات الكونية الكبرى التي تحيط بهم ليلاً ونهاراً.
أسلوب الحصر بـ {إِلَّا} بعد النفي بـ {أَبَى}: لإفادة حصر موقفهم في الكفر البواح؛ فكأنهم حصروا كل همهم وجهدهم في دفع الحق والجحود به بعد أن حوصروا بالبراهين.
التنكير في {أَجَلًا} والوصف بـ {لَّا رَيْبَ فِيهِ}: لتعظيم هذا الأجل وتهويله، ولقطع كل شك وشبهة في حتمية وقوعه.
الإشارة والتدبر: انظر إلى السماء ونجومها، وإلى الأرض وجبالها؛ كل ذلك ينطق بلسان القدرة والجلال: إن الإله الذي يحرك هذه الأفلاك ويعتني بذراتها لن يضيعك ولن يتركك سدى، وإن موعدك آت لا ريب فيه؛ فماذا أعددت لذلك اليوم المشهود؟
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: استخدام البراهين الكونية المشاهدة في مخاطبة المشككين والملحدين؛ فالقرآن يوجه العقل البشري دوماً إلى النظر في عظمة الطبيعة والكون دليلاً ناصعاً على وجود الخالق وقدرته وكماله.
التوجيه التربوي: غرس الوعي بقيمة الوقت وتذكر الأجل المضروب؛ فإن استشعار الإنسان أن لحياته نهاية محددة وللكون أجلاً مرصوداً يدفعه لاغتنام الأوقات في الطاعات وتجنب المعاصي والظلم.
الأثر الوجداني: يمتلئ قلب المؤمن بالتعظيم والإجلال لله القادر، ويزول عنه القلق على الرزق والمستقبل؛ لأن الذي يدبر السماوات والأرض هو ربه الرحيم الذي جعل لكل شيء قدراً وأجلاً.