يواصل الحق سبحانه توجيه الأبناء إلى ذروة الأدب مع الوالدين؛ آمراً بالتذلل والتواضع التام لهما رقة وشفقة، والتوجه إلى الله بالدعاء الخالص لهما بالرحمة في حياتهما وبعد مماتهما؛ جزاء ما بذلاه من رعاية وتربية في حال الصغر والضعف.
تفسير الطبري (14/ 444)مصدر غير محدد١٤/٤٤٤: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد وعروة بن الزبير: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ}: كن لهما ذليلاً متواضعاً ليناً رحيماً بهما، لا تمتنع من شيء أحباه مما لا معصية فيه لله، وقل في دعائك: يا رب ارحمهما برحمتك الواسعة في كبرهما ومماتهما، كما عطفا عليّ وربياني وأنا صغير ضعيف لا حول لي ولا قوة.
تفسير ابن كثير (5/ 43)مصدر غير محدد٥/٤٣: يذكر الحافظ ابن كثير الأحاديث الواردة في بر الوالدين والدعاء لهما؛ ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة: «تُرْفَعُ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ دَرَجَتُهُ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَيُّ شَيْءٍ هَذِهِ؟ فَيُقَالُ: وَلَدُكَ اسْتَغْفَرَ لَكَ».
القرطبي (10/ 258)مصدر غير محدد١٠/٢٥٨: يوضح القرطبي أن الآية محكمة باقية، ودعاء الولد لوالديه المؤمنين مستجاب نافع بإجماع المسلمين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
جناح الذل: استعارة مكنية وتمثيلية بديعة؛ جعل للذل أو التواضع جناحاً كجناح الطائر إذا ضمه وانكسر وخفضه لصغاره استكانة وعطفاً.
الذُّلّ: بضم الذال هو اللين والتواضع والاستكانة والمطاوعة، وهو المحمود هنا، وبكسر الذال (الذِّلّ) ضد العزة وهو المهانة والهوان.
تقييد الذل بـ {مِنَ الرَّحْمَةِ}: قيد بديع ينفي أن يكون التذلل للوالدين نفاقاً، أو خوفاً من مالهما، أو تصنعاً للمظاهر؛ بل هو ذل نابع من صميم الرحمة، ورقة الفؤاد، وصدق الوفاء.
التعليل بـ {كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}: استدعاء لمشاعر العاطفة وتذكير بجميل التربية؛ فمهما بذل الولد من بر فلن يكافئ لحظة سهر في مهده، فلا يبقى له إلا أن يستعين برحمة الله التي تسع كل شيء ليكافأهما ربه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض بين عزة المؤمن وتذلله للوالدين:
كيف يأمر الله المؤمن بالعزة والمنعة: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}، ثم يأمره هنا بخفض جناح الذل للوالدين؟
البرهان والتحقيق الأخلاقي الراقي: التذلل للوالدين ليس مهانة ولا ضعة، بل هو عين الشرف وكمال الوفاء وأعلى مقامات التواضع المحمود؛ كالذل المشروع للمؤمنين: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}، وخفض الجناح للأبوين خضوع لشرع الله وامتثال لأمره باحترام أصل الوجود، وهو يرفع قدر صاحبه عند الله والناس؛ فمن تواضع لله ولوالديه رفعه الله.
الاستعارة التخييلية والترشيحية في {جَنَاحَ الذُّلِّ}: شبه الذل بطائر له جناحان يخفضهما عند سكونه ورأفته بصغاره، فأثبت للذل جناحاً، ثم أضاف الجناح إلى الذل مبالغة في تجسيد معنى الاستسلام والمطاوعة التامة لهما.
الإيجاز بالحذف في النداء {رَّبِّ}: حذف حرف النداء لقرب الرب من قلب الداعي وسرعة الاستجابة.
الإشارة والتدبر: بر الوالدين لا ينتهي بموتهما؛ بل يمتد نهراً جارياً بالدعاء والاستغفار والصدقة وصلة أرحامهما وإكرام صديقهما؛ فالدعاء لهما بر متصل لا ينقطع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: حث المسلمين على التواصي ببر الوالدين وكثرة الدعاء لهما؛ ونشر هذا المبدأ الإسلامي العظيم في زمن تفككت فيه الأسر وغلب العقوق.
التوجيه التربوي: تعويد الأبناء على تقبيل أيدي الوالدين ورؤوسهما، وإظهار التواضع التام أمامهما مهما بلغ الولد من العلم أو المكانة أو الجاه.
الأثر الوجداني: تفيض عين العبد دمعاً وخشوعاً حين يدعو لوالديه: «رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا»، مستحضراً حنانهما وعطفهما، متمنياً لهما الفردوس الأعلى من الجنة.