السنة الإلهية الحتمية في فناء القرى الظالمة أو إهلاكها قبل قيام الساعة وكتابة المقادير في اللوح المحفوظ:
يخبر الحق سبحانه عن قضائه المبرم وسنته الجارية في الأمم والقرى؛ فما من قرية كافرة أو ظالمة (بل وسائر القرى العامرة) إلا وحكم الله عليها بالهلاك والاستئصال بالموت أو بالعذاب الشديد (بالقحط والقتل والزلازل) قبل قيام الساعة، ثم تأتي القيامة الكبرى بفناء الوجود بأسره؛ هذا الحكم الكوني مقيد ومسطور في اللوح المحفوظ لا بد من نفاذه ومجراه.
تفسير الطبري (14/ 521)مصدر غير محدد١٤/٥٢١: يروي الطبري عن قتادة وابن عباس ومجاهد والضحاك: {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ}: أي ما من قرية كافرة كذبت رسلها، {إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}: بموت جارف أو باستئصال، {أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا}: بالقتل والقحط والجدب لظلمهم وفسقهم؛ وقيل: تعم الآية القرى كلها؛ فقرى الكفر تهلك بالعذاب والاستئصال، وقرى الصالحين تهلك بالموت حتى يخرب العالم كله قبل يوم القيامة؛ {كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا}: أي مكتوباً مثبتاً في أم الكتاب (اللوح المحفوظ) قبل خلق الخلائق بقضاء نافذ لا تبديل له.
تفسير ابن كثير (5/ 64)مصدر غير محدد٥/٦٤: يقرر الحافظ ابن كثير أن الآية إخبار عن حتمية فناء العالم وخراب القرى وزوال الحضارات؛ وأن العذاب الشديد والهلاك الاستئصالي يختص بالقرى الظالمة المكذبة، كقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَىٰ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ}؛ وتحذير لأهل مكة بأن كفرهم سيعرض قريتهم للفتح أو البوار إن لم يرجعوا إلى الإيمان.
القرطبي (10/ 320)مصدر غير محدد١٠/٣٢٠: يذكر القرطبي أن الكتاب المسطور هو اللوح المحفوظ، والسطر هو الكتابة المنتظمة؛ وفي هذا تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم وتخويف لأعدائه بأن آجال القرى محتومة لا تتقدم ولا تتأخر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
القَرْيَة: المدينة أو المجمع السكني، وسميت قرية من القَرْي وهو الجمع؛ لأنها تجمع الناس والأبنية.
مَسْطُورًا: مكتوباً سطراً سطراً، من سَطَرَ الكتاب يسطره إذا كتبه ونظمه خطوطاً مستقيمة.
{قَرْيَةٍ}: مجرور لفظاً مرفوع محلاً على أنه مبتدأ.
{إِلَّا}: أداة حصر ملغاة.
{نَحْنُ}: ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ ثانٍ.
{مُهْلِكُوهَا}: خبر المبتدأ الثاني مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم وحذفت النون للإضافة، والهاء مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول {قَرْيَةٍ}.
{فِي الْكِتَابِ}: جار ومجرور متعلق بـ {مَسْطُورًا} (أو بمحذوف حال).
{مَسْطُورًا}: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة كان مستأنفة لبيان القضاء والقدر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الإنذار الكوني بعد التحذير من العذاب المحذور: في الآية السابقة قال: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا}، فجاءت هذه الآية لتكشف عن المظهر الكوني والتاريخي لهذا العذاب على مستوى الأمم والمجتمعات والحضارات الإنسانية عبر التاريخ.
صيغة الاستغراق والشمول التام: {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ}: نفي مؤكد بـ {مِنْ} الزائدة لا يستثني عاصمة ولا مملكة ولا قرية صغيرة في شرق الأرض وغربها؛ لإسقاط وهم الخلود والمنعة لدى المشركين المتفاخرين ببطحاء مكة وحرمتها.
الردع باللوح المحفوظ: قوله {كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} يقطع حبال التكذيب والأماني الباطلة؛ فالقضاء كُتب وجف القلم، وسنن الله في إهلاك الظالمين لا تحابي أحداً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم الظلم في عموم الإهلاك للمؤمنين والكافرين:
كيف يقال إن الله يهلك كل قرية أو يعذبها، مع وجود قرى فيها مؤمنون وأطفال ومساكين؟!
التحرير والتفريق بين هلاك الفناء وهلاك العذاب:
الآية تفرق بين نوعين من المصير:
هلاك الموت الطبيعي وفناء الدنيا: وهذا عام في كل الخلائق (مؤمنهم وكافرهم)؛ لأن الدنيا دار فناء والكل سيموت قبل قيام الساعة، وموت المؤمن رحمة له ونقلة إلى النعيم المقيم.
عذاب الاستئصال والعذاب الشديد: وهذا خاص بالقرى الكافرة الظالمة كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}؛ فإذا وقع العذاب العام أهلك الله الظالمين بعذابهم، ومات من بينهم الصالحون ثم يبعثون على نياتهم كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ العَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ».
التعبير باسم الفاعل المضاف {مُهْلِكُوهَا} و{مُعَذِّبُوهَا}: يفيد الثبوت والتحقق القطعي؛ فكأن الهلاك والعذاب واقع بهم بالفعل لا محالة لتحقق سببه وقضائه.
الوصف بـ {مَسْطُورًا} بعد {فِي الْكِتَابِ}: مبالغة في تأكيد الإحكام والتوثيق والترتيب؛ فالأقدار ليست عشوائية، بل هي مكتوبة بعناية وحكمة إلهية فائقة.
الإشارة والتدبر: الحضارات الكبرى، والدول العظمى، والمدن العامرة بناطحات السحاب، كلها إلى زوال وخراب؛ فلا تركن إلى حضارة زائلة ولا تأمن مكر الله؛ وتذكر قول القائل: "أين الملوك التي كانت مسلطنة... حتى سقاها بكأس الموت ساقيها".
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: قراءة التاريخ والسنن الإلهية في ضوء القرآن الكريم؛ وتنبيه المجتمعات إلى أن الظلم، والترف، والفسوق، ومحاربة شريعة الله هي أسباب السقوط والانهيار الحضاري.
التوجيه التربوي: غرس الوعي بسنن التغيير، والتحذير من الغرور بالقوة المادية والعسكرية والاقتصادية؛ فإنها لا تغني عن أصحابها شيئاً إذا نزل أمر الله.
الأثر الوجداني: يتضاءل كبرياء الدنيا في عين المؤمن، وينكسر قلبه خاشعاً لمالك الملك الذي تفنى العوالم ويبقى وجهه ذو الجلال والإكرام: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}.