التحدي الكوني المعجز المطلق لعالمي الإنس والجن وإثبات العجز الأبدي عن معارضة القرآن العظيم:
يعلن الحق سبحانه وتعالى التحدي الأكبر الخالد في تاريخ النبوات؛ قل يا محمد لجميع الثقلين من الإنس والجن، فصحائهم، وشعرائهم، وعلمائهم، وفلاسفتهم: لئن تظافرت قواهم، واجتمعت عقولهم وأفكارهم على صعيد واحد، وتعاونوا وتظاهروا بكل ما يملكون على أن يأتوا بكتاب يماثل هذا القرآن في فصاحته، وبلاغته، ونظمه، وتشريعه، وإخباره بالغيب، وعمقه الروحي؛ فلن يستطيعوا ولن يأتوا بمثله أبداً؛ ولو كان بعضهم لبعض عوناً وظهيراً وسنداً؛ فكلام الخالق لا يدانيه كلام المخلوقين بحال.
تفسير الطبري (14/ 595)مصدر غير محدد١٤/٥٩٥: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن والضحاك: نزلت هذه الآية حين قال مشركو قريش واليهود: لو نشاء لقلنا مثل هذا! فتحداهم الله بأعلى مراتب التحدي؛ {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ}: أي جميع الجن والإنس من أول الخلق إلى آخره، {عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ}: لا يقدرون على الإتيان بمثله في نظمه وبيانه وحكمته، {وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}: أي عوناً ومساعداً ومؤيداً؛ فعجزوا وانقطعوا وبُهتوا.
تفسير ابن كثير (5/ 84)مصدر غير محدد٥/٨٤: يقرر الحافظ ابن كثير أن هذا التحدي برهان ساطع وقاطع على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأن القرآن تنزيل من رب العالمين؛ فإن العرب كانوا أرباب الفصاحة وفرسان البلاغة والمعلقات، وكانت قريش أحرص ما تكون على إبطال دعوته، فلو كان في وسعهم معارضة سورة واحدة لفعلوا ولاستراحوا من الحروب وبذل الأموال؛ فلما عجزوا ولجأوا إلى السيف دل ذلك عقلاً على عجزهم وعظمة الإعجاز القرآني الخالد.
القرطبي (10/ 375)مصدر غير محدد١٠/٣٧٥: يوضح القرطبي أن وجوه إعجاز القرآن متعددة: نظمه العجيب المباين لسائر أوزان العرب، وفصاحته البالغة، واشتماله على الغيبيات الماضية والمستقبلة، وتشريعاته المحكمة الخالية من التناقض، وتأثيره الروحي القاهر؛ والظهير هو المعين من المظاهرة وهي المعاونة وتقوية الظهر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الظَّهِير: المُعين والمساند والمناصر، فَعِيل بمعنى فاعل أو مفعول، مأخوذ من الظهر؛ لأن المعين يسند ظهر صاحبه ويقويه.
{يَأْتُونَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وجملة لا يأتون جواب قسم مقدر لا محل لها أغنت عن جواب الشرط.
{بِمِثْلِهِ}: متعلق بـ {يَأْتُونَ} والهاء مضاف إليه.
الواو حالية، {لَوْ}: شرطية تفيد الوصل والمبالغة في الحال.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص.
{بَعْضُهُمْ}: اسم كان مرفوع وهم مضاف إليه.
{لِبَعْضٍ}: متعلق بـ {ظَهِيرًا}.
{ظَهِيرًا}: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة كان حالية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبراز عظمة الوحي الممتن به: في الآيتين السابقتين قرر أن الوحي فضل كبير من الله، فجاءت هذه الآية لتبرهن عملياً على كبر هذا الفضل؛ فكأنه يقول: كيف لا يكون فضله عليك كبيراً وهذا الوحي هو المعجزة الكبرى التي تعجز عنها طاقات الثقلين مجتمعين؟!
الجمع بين الإنس والجن في التحدي: تعميم كوني معجز؛ لم يتحدّ العرب وحدهم، بل تحدى جنس الإنس بكل حضاراتهم وعقولهم، وأشرك معهم عالم الجن بقدراتهم الخارقة وخفتهم في الحركة واطلاعهم؛ لإسقاط أي دعوى مستقبلية بأن هناك قوة في الكون تستطيع مجاراة القرآن.
الارتقاء بأسلوب المبالغة {وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}: بيان أن التعاون التام والتظافر العلمي والتقني واللغوي بين العالمين لن يزيدهما إلا عجزاً وانقطاعاً أمام عظمة كلام الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا يعجز البشر عن محاكاة كتاب بلغتهم وأحرفهم؟:
يتساءل الملحد: القرآن مكون من حروف عربية (ألف، باء، تاء) يعرفها البشر، فلم يعجزون عن تأليف مثله؟!
المحاكمة العقلية والبيانية الصارمة (سر الإعجاز):
الحروف والألفاظ في يد البشر كذرات التراب والماء؛ فالله خلق من الطين بشراً سوياً ينبض بالحياة، والإنسان يصنع من الطين خزفاً ميتاً؛ فالعجز ليس في المادة الأولية، بل في الروح والنسج والقدرة المطلقة؛ فالقرآن كلام الله الذاتي العلي، فيه من النظم الإعجازي، والإحاطة النفسية، والتشريع الخالد، والإخبار بالغيوب ما لا تستطيعه عقول البشر القاصرة؛ فكما يعجز البشر عن خلق ذبابة من عناصر الكون، فإنهم يعجزون بداهة عن خلق كلمة تماثل كلام خالق الكون؛ فالفرق بين كلام الله وكلام خلقه كالفرق بين ذات الله وذوات خلقه.
أسلوب الشرط المقترن بالقسم المحذوف: يفيد الجزم واليقين المطلق بالعجز؛ فالحكم لم يصدر كاحتمال، بل كقضاء قطعي مستقر إلى قيام الساعة.
التعبير بالفعل المضارع المرفوع {لَا يَأْتُونَ} في جواب القسم: ولم يقل "لن يأتوا"؛ للدلالة على ثبات واستمرار العجز ونفيه كحقيقة واقعة مشهودة في كل عصر.
الإشارة والتدبر: كلما زاد هجوم أعداء الإسلام على القرآن عبر التاريخ بالتشويه والشبهات كلما ازداد القرآن لمعاناً وبهاءً وعجزت ألسنتهم عن الإتيان بسورة من مثله؛ فاستمسك بهذا الكتاب العزيز فإنه الحبل الممدود من السماء الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: الثقة المطلقة بالقرآن الكريم وسلاحه الحجاجي في مواجهة كافة المذاهب الفلسفية والإلحادية المعاصرة؛ وتقديمه كبرهان نبوة باهر يملك الحجة العقلية والروحية التامة.
التوجيه التربوي: تنشئة الأجيال على استشعار هيبة القرآن وبلاغته، ودراسة وجوه إعجازه اللغوي والتشريعي والعلمي.
الأثر الوجداني: يمتلئ قلب المؤمن عزة وفخراً وشرفاً بانتسابه لهذا الكتاب المعجز؛ وتفيض روحه إجلالاً لكلام ربه الذي خضعت له فصحاء العرب وركعت أمامه هامات البلغاء.