القدرة الإلهية على رفع الوحي ومحو القرآن وتذكير النبي والأمة بعظمة نعمة التنزيل:
يقرر الحق سبحانه وتعالى كمال قدرته وتفرده بالنعم؛ مبيناً لنبيه صلى الله عليه وسلم وللأمة جمعاء أن هذا القرآن العظيم والوحي الشريف إنما هو فضل ومنة محضة من الله، ولو شاء الله إذهابه ومحوه من الصدور والمصاحف لذهب به في لحظة واحدة حتى لا يبقى منه آية ولا حرف؛ ثم لا تجد لك يا محمد أحداً يتوكل لك برده أو يخاصمنا في استرجاعه؛ ولكنه سبحانه ثبته في قلبك وأبقاه رحمة للعالمين.
تفسير الطبري (14/ 591)مصدر غير محدد١٤/٥٩١: يروي الطبري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «لَيُسْرَيَنَّ عَلَى القُرْآنِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَلاَ يُتْرَكُ فِي مَصْحَفٍ وَلاَ فِي قَلْبِ أَحَدٍ مِنْهُ آيَةٌ إِلاَّ رُفِعَتْ»، ثم قرأ عبد الله: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}؛ ويروي عن قتادة ومجاهد وابن عباس: {لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}: أي لنرفعن القرآن ولنمحونه من الصدور والكتب، {ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا}: لا تجد حفيظاً يمنعنا من ذلك ولا راداً لما قضينا.
تفسير ابن كثير (5/ 83)مصدر غير محدد٥/٨٣: يوضح الحافظ ابن كثير أن الآية تذكير بعظيم فضل الله ونعمته على رسوله بإنزال القرآن وتثبيته في صدره؛ وبيان أن بقاء القرآن ليس أمراً ذاتياً للبشر، بل هو بحفظ الحفيظ العليم: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}؛ وفيه إشعار بقرب قيام الساعة حين يرفع القرآن في آخر الزمان إذا ترك الناس العمل به.
القرطبي (10/ 372)مصدر غير محدد١٠/٣٧٢: يذكر القرطبي حديث ابن مسعود الموقوف والمرفوع في رفع القرآن من الصدور والمصاحف حتى يصبح الناس لا يدرون ما صلاة ولا صيام؛ وأن الوكيل هو القائم بالأمر المدافع عنه؛ فلا وكيل يقدر على مغالبة أمر الله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الذَّهَاب بالشيء: إزالته ومحوه وإفناؤه؛ ذَهَبَ به أي أذهبه وأزاله بالكلية.
الوَكِيل: القيم المدافع الكفيل بالأمر لرد ما فُقد.
{وَكِيلًا}: مفعول به لـ {تَجِدُ} منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتباط بآية قلة العلم البشري: لما قال في الآية السابقة {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}، بيّن هنا أن أعظم ما أوتيتم من هذا العلم وهو الوحي والقرآن قائم بحفظ الله ورعايته؛ فلو شاء الله لسلبه منكم ومحاه، لتعرفوا قدر نعمته وفقركم المطلق إليه.
التوكيد بالقسم ونون التوكيد في {لَنَذْهَبَنَّ}: لإثبات القدرة المطلقة؛ فالله قادر على ذلك بلا ممانع، وإنما حبسه وثبته برحمته وفضله.
الاستدراك بالرحمة في الآية اللاحقة: مهد هذا التهديد المشروط للاستثناء العظيم في قوله: {إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ}؛ ليعلم أن بقاء القرآن دائم برحمة الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم إمكانية ضياع القرآن كغيره من الكتب السابقة:
يزعم بعض المشككين أن القرآن معرض للتحريف أو الضياع كالتوراة والإنجيل!
المحاكمة العقلية والسننية:
الكتب السابقة استحفظ الله عليها أهلها فقال: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ}، فوكل حفظها للبشر فضيعوها وبدلوها؛ أما القرآن العظيم فتولى الله حفظه بذاته المقدسة: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}؛ والآية هنا تبين أن رفع القرآن ليس بعجز عن حفظه ولا بتحريف البشر، بل بقضاء الله في آخر الزمان إذا رغب الناس عنه؛ فما دام الله ممسكاً له برحمته فلا يملك إنس ولا جن أن يبدل منه حرفاً واحداً.
التنكير في {وَكِيلًا}: لإفادة النفي القاطع لكل مدافع؛ فلو اجتمع أهل الأرض جميعاً ليردوا آية واحدة رفعها الله لما استطاعوا.
الترتيب بـ {ثُمَّ}: إشعار بالفجوة الهائلة بين قدرة الخالق وعجز المخلوق؛ فإذا نزل القضاء ذهب كل ادعاء هباءً.
الإشارة والتدبر: القرآن بين يديك اليوم في المصحف، وفي هاتفك، وفي صدرك؛ فاعرف قدر هذه النعمة قبل أن يأتي يوم يُسرى عليه فيرفع؛ فاقرأه وتدبره واعمل بأحكامه قبل فوات الأوان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تعظيم مكانة القرآن في النفوس، وتذكير المسلمين بأن هويتهم وعزتهم ووجودهم مرهون بالاعتصام بهذا الوحي المحفوظ.
التوجيه التربوي: تربية الأبناء على حفظ القرآن في الصدور؛ فالصدور أوعية الوحي وحصونه.
الأثر الوجداني: يفيض وجدان المؤمن شكراً لله على بقاء نعمة القرآن بين أظهرنا، خائفاً وجلاً من سلب هذه المنة العظيمة، مستمسكاً بها آناء الليل وأطراف النهار.