روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص185) بإسناده عن قتادة ومجاهد وابن زيد في قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا}: ينزهون الله في سجودهم وخشوعهم تنزيهاً مطلقاً عن كل نقص، وعن أن يخلف وعده أو يقع في خبره كذب، {إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا}: أي إن وعد الله بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال هذا الكتاب العظيم لكائن واقعاً حقاً لا ريب فيه؛ فقد كنا ننتظره ونجده مكتوباً في التوراة والإنجيل، فها قد وفى الله بوعده وأنجز أمره وصدق رسله.
ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص131): "يقولون تعظيماً لقدرة الله التامة وتصديقاً بوعده: سبحان ربنا وبحمده، إن كان وعد ربنا بإرسال محمد وإنزال هذا الفرقان لحقاً واجباً مفعولاً ناجزاً لا محالة؛ فسبحان من لا يخلف الميعاد".
وأكد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج10، ص344): "سبحان: تنزيه وبراءة لله من كل عجز وخلف؛ و{إِن} مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة، والمعنى: إن وعد ربنا ببعثة هذا النبي وإنزال هذا الكتاب لواقع مفعول لا محالة؛ فكان اعترافهم بالوعد دليلاً على صدق نبوته وبطلان جحود قريش".
وجاء في تفسير السعدي (ص469): "نزهوا الله عما لا يليق بجلاله، وأقروا بكمال صدقه ووفائه بعهده؛ وهذا منتهى العلم والإيمان؛ إذ جمعوا بين العمل الظاهر وهو السجود، والعمل الباطن وهو التسبيح واليقين بالوعد".
*الجامع لأحكام القرآن* (ج10، ص344)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٠/٣٤٤*جامع البيان* (ج15، ص185)جامع البيانالطبري١٥/١٨٥*تفسير السعدي* (ص469)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٦٩*تفسيره* (ج5، ص131)مصدر غير محدد٥/١٣١
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب والبنية الدلالية:
{وَيَقُولُونَ}: الواو عاطفة على يخرون، ويقولون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
{سُبْحَانَ رَبِّنَا}: سبحان مفعول مطلق منصوب بالفتحة لفعل محذوف تقديره (نسبح سبحان)، وهو مضاف وربنا مضاف إليه، وجملة التسبيح مقول القول في محل نصب.
{إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا}: إن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف (أو نافية)، وكان فعل ماض ناقص، ووعد اسمها المرفوع بالضمة، وربنا مضاف إليه.
{لَمَفْعُولًا}: اللام هي اللام الفارقة بين إن النافية وإن المخففة من الثقيلة (أو المزحلقة في خبر كان)، ومفعولاً خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة، وهو اسم مفعول يدل على الفعل المنجز المتحقق حتماً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الاتساق البديع بين الأفعال والأقوال:
التناغم التام بين خضوع الجوارح ونطق الألسنة: في الآية السابقة خروا للأذقان سجداً، وهنا يفيض لسانهم بالتسبيح والإقرار بصدق الوعد؛ لبيان أن إيمانهم جمع بين السلوك الحركي والوعي المعرفي التام.
التناسب مع مطلع السورة: افتتحت السورة بـ {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ}، وها هم الراسخون في العلم يسبحون الله في خواتيمها بـ {سُبْحَانَ رَبِّنَا}؛ ليلتقي التسبيح بالتسبيح في تناغم قرآني فريد.
التمهيد لزيادة الخشوع والبكاء في الآية اللاحقة {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المحاكمة العقلية لبرهان "تحقق النبوءات السابقة":
الاستدلال التوثيقي التاريخي:
اعتراف علماء أهل الكتاب في صدر الإسلام (مثل عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وورقة بن نوفل ووفد نجران ووفد الحبشة) لم يكن عن جهل أو رشوة دنيوية، بل كان نتيجة فحص تاريخي دقيق للأوصاف المودعة في أسفارهم القديمة.
قولهم {إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} برهان عقلي قاطع على أن نزول القرآن وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لم تكن أمراً مفاجئاً أو معزولاً عن خط النبوات الإلهي، بل كانت تتويجاً وتنفيذاً لوعد إلهي أزلي قطعه الله على أنبيائه من قبل: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ}.
البدء بالتسبيح {سُبْحَانَ رَبِّنَا}: تقديم التنزيه المطلق عند رؤية آيات الله الباهرة؛ لأن استحضار عظمة الوعد تملأ القلب إجلالاً وتنزهاً للرب عن الخلف.
صيغة المفعول في {لَمَفْعُولًا} المقترنة باللام المؤكدة: إفادة القطع واليقين بأن إرادة الله وقدره ماضيان لا يعجزهما شيء في الأرض ولا في السماء.
إضافة الرب إلى الضمير {رَبِّنَا} مرتين: للتودد والاستشعار بالرعاية والتربية والفضل الإلهي الخاص بهم.
الإشارة والتدبر: المؤمن إذا رأى تحقق وعد من وعود الله في حياته أو في أمة الإسلام، لم يزده ذلك بطراً ولا استعلاءً، بل يخر لله ساجداً مسبحاً قائلاً: سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ربط الدعوة بوعود الله في القرآن والسنة؛ لتعزيز الأمل والثقة بنصر الله في قلوب المستضعفين والمؤمنين.
التوجيه التربوي: تدريب اللسان على التسبيح الدائم عند رؤية النعم وإنجاز المهام والفتوحات؛ فالتسبيح والحمد هما حليّة المؤمنين.
الأثر الوجداني: يغمر القلب يقين راسخ لا يتزعزع بأن كل ما وعد الله به من نصر وتمكين وجنة وخلود هو أمر مفعول كائن لا محالة، فيسكن روعه وتثبت أقدامه.