روى الإمام الطبري في جامع البيان (ج15، ص158) بإسناده عن ابن عباس وقتادة: قوله تعالى: {ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُم}: هذا العذاب المهول والحشر على الوجوه والنار المستعرة هو ثوابهم العادل وجزاؤهم الحتمي؛ {بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا}: بسبب تكذيبهم بآيات الله المنزلة وبراهينه الواضحة، وبسبب استبعادهم للبعث والقيامة وقولهم: إذا متنا وتلاشت أجسادنا حتى صرنا عظاماً نخرة ورفاتاً وتراباً دقيقاً، أئنا لمبعوثون أحياء من جديد؟!
ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (ج5، ص122): "أي هذا الذي جازيناهم به من الحشر على وجوههم عمياً وبكماً وصماً، وتأجيج النار عليهم كلما خبت، جزاء عادل على كفرهم بآيات الله واستبعادهم وقوع المعاد وتكذيبهم بالرسل؛ حيث قالوا منكرين مستهزئين: أإذا صرنا عظاماً نخرة وتراباً متبدداً أنبعث خلقاً جديداً؟!".
وجاء في الدر المنثور للسيوطي: أن "الرفات" هو الغبار والتراب وما تحطم وتفتت من الشيء وصار دقيقاً لا يتميز، كالخبز إذا فُتّ، والعظم إذا رَمّ وصار تراباً.
وأكد القرطبي في تفسيره (ج10، ص334): أن الآية نص صريح في أن عذاب هؤلاء لم يكن ظلماً من الله، بل هو عدل مستحق رتبه الله على أفعالهم الكفرية وعنادهم الاستكباري.
*جامع البيان* (ج15، ص158)جامع البيانالطبري١٥/١٥٨*تفسيره* (ج10، ص334)مصدر غير محدد١٠/٣٣٤*تفسيره* (ج5، ص122)مصدر غير محدد٥/١٢٢
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإعراب واللغة والمعجم:
{ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُم}: اسم الإشارة مبتدأ، و{جَزَاؤُهُم} خبره المرفوع بالضمة، والإشارة إلى العذاب المذكور في الآية السابقة لتهويل أمره وتقرير حتميته.
{بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا}: الباء حرف جر للسببية والتعليل، وأن حرف توكيد ونصب والهاء اسمها، وجملة {كَفَرُوا} خبرها، والمصدر المؤول في محل جر بالباء متعلق بالجزاء؛ أي: سبب جزائهم كفرهم بآياتنا.
{وَقَالُوا}: الواو عاطفة، وجملة قالوا معطوفة على كفروا، وهي عطف خاص على عام لإبراز أصل كفرهم وهو إنكار البعث.
{عِظَامًا وَرُفَاتًا}: عظاماً خبر كان منصوب، ورفاتاً معطوف عليه، والرفات في لسان العرب: الحطام المكسور المفتت من كل شيء، من رَفَتَ الشيء يَرْفُتُه رَفْتاً إذا كسره ودقه حتى صار تراباً.
{أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}: الهمزة الأولى والثانية للاستفهام الإنكاري المتضمن معنى التعجب والاستحالة بزعمهم، و{إِذَا} ظرف زمان خافض لشرطه منصوب بجوابه المقدر (أو بما دل عليه مبعوثون)، وإن واسمها واللام المزحلقة و{مَبْعُوثُونَ} خبر إن، و{خَلْقًا} حال أو مفعول مطلق.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية واتساقها مع ما قبلها وما بعدها:
اتساق تعليلي جلي: لما ذكر المشهد المرعب لحشرهم في الآية (97)، علل هذا الجزاء الصارم ببيان سببه العقائدي والسلوكي، لترسيخ مبدأ العدالة الإلهية في النفوس، ولقطع حجة من قد يظن أن هذا العذاب فيه قسوة أو تجاوز؛ بل هو الجزاء الوفاق على جحودهم البين.
تكرار حكاية شبهة منكري البعث (التي ذُكرت بنصها في الآية 49 من السورة نفسها): للدلالة على أن هذا الإنكار هو المحور الذي تدور عليه أهواؤهم ومبررات انفلاتهم من التكاليف الشرعية؛ إذ إن إنكار البعث يرفع وازع الخوف والمراقبة، فيستمرئ الإنسان الطغيان والكفر.
التمهيد للدليل العقلي الحاسم في الآية اللاحقة (99) الذي ينسف هذه الشبهة من أساسها ببرهان خلق السماوات والأرض.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك شبهة استبعاد البعث بعد البلى والتفتت:
بنية الشبهة لدى منكري البعث:
قاس المشركون قدرة الخالق جل وعلا على قدرتهم البشرية الضعيفة؛ فرأوا أن الجسد إذا تمزق وتفتت وصار عظاماً نخرة واختلط بتراب الأرض، استحالت إعادته وجمعه من جديد بحسب إمكانات الإنسان العادي.
المحاكمة العقلية والتفكيك المنطقي:
مغالطة قياس الغائب على الشاهد والخالق على المخلوق: إن عجز الإنسان عن جمع الذرات المتفرقة وإحيائها ناتج عن محدودية علمه وقدرته، أما الإله الخالق فإنه محيط بكل ذرة في الكون، وعلمه وسع كل شيء: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ}.
حقيقة الخلق الجديد: إن الذي أوجد المادة من العدم ولم تكن شيئاً مذكوراً قادر من باب أولى على إعادة تأليفها بعد وجودها؛ فالإعادة أهون في القياس العقلي من الابتداء (مع أن الأمرين عند الله سواء بكن فيكون).
الدافع النفسي لإنكار البعث: إنكار البعث ليس ناتجاً عن برهان علمي أو منطقي، بل هو ناتج عن الرغبة في التحرر من المسؤولية الأخلاقية والاستمرار في الانغماس في الشهوات والظلم دون حساب، كما قال تعالى: {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ}.
الإشارة بـ {ذَٰلِكَ}: اسم الإشارة للبعيد يفيد تهويل العذاب ورفعته في دركات الفظاعة والخزي، ليدرك السامع بشاعة ما ينتظرهم.
المقابلة البديعة: مقابلة بين صيرورتهم {عِظَامًا وَرُفَاتًا} في التراب، وبين ادعائهم استحالة كونهم {خَلْقًا جَدِيدًا}، ليأتي الرد الإلهي في الآية التالية بأن الإلهام بالخلق العظيم يبدد هذا الرماد.
الاستفهام الإنكاري التهكمي: في قوله: {أَإِذَا كُنَّا... أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} نبرة تكذيب واستهزاء أراد بها المشركون إبراز استحالة البعث، فارتد الاستهزاء عليهم حسرة يوم القيامة.
الإشارة والتدبر: كل عذر يعتذر به العبد لتبرير معصيته وتكذيبه سيتلاشى يوم القيامة؛ فالعدل الإلهي مبرأ من كل شائبة، وكل عذاب يذوقه المجرم هو ثمرة مباشرة لزرعه الفاسد في الدنيا.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: التركيز على قضية البعث والجزاء في الدعوة؛ فإن صلاح السلوك واستقامة المعاملات رهن باليقين بالوقوف بين يدي الله، ومتى تزعزع هذا الأصل في النفوس ضاعت الأخلاق وساد الظلم والفساد.
التوجيه التربوي: غرس الإيمان باليوم الآخر في نفوس الناشئة بطرق عقلية وبرهانية هادئة تجيب عن التساؤلات الفطرية وتثبت اليقين في مواجهة التيارات المادية الإلحادية.
الأثر الوجداني: يحيا المؤمن بين الرجاء في رحمة الله والخوف من عدله، مستيقناً بأن كل ذرة عمل ستوزن بميزان القسط، فيلهج قلبه بالاستغفار والعمل الصالح قبل فوات الأوان.