بعد أن بين الله ما جرى لبني إسرائيل مع كتابهم التوراة، وكيف تشتتوا بعد عتوهم وإفسادهم؛ نوه الحق سبحانه بشأن الكتاب الخاتم المهيمن: القرآن الكريم؛ مبيناً أنه يهدي البشرية في كل شأن من شؤون العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق والسياسة إلى الطريقة والملة والحالة التي هي أعدل وأصوب وأرشد وأصلح لخيري الدنيا والآخرة.
تفسير الطبري (14/ 411)مصدر غير محدد١٤/٤١١: يروي الطبري عن قتادة قوله: {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}: «أي إلى السبيل التي هي أعدل وأصوب، وهو دين الإسلام؛ ففيه تبيان كل شيء، ويهدي لأحسن الأخلاق وأعدل الشرائع»، ويبشر المصدقين العاملين بالصالحات بأن الله أعد لهم في المعاد ثواباً عظيماً وهو الجنة ونعيمها المقيم.
تفسير ابن كثير (5/ 29)مصدر غير محدد٥/٢٩: يوضح الحافظ ابن كثير أن الله تعالى يمدح كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، بأنه يهدي لأعدل المسالك وأوضح السبل في الاعتقاد والعمل، فيخلص العقول من الخرافات، ويزكي النفوس من الرذائل، ويبشر المؤمنين الصادقين بالأجر الكبير.
السعدي (ص 454)مصدر غير محدد٤٥٤: يقرر العلامة السعدي أن قوله {لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} مطلق يعم كل خير وفضل؛ فالقرآن يهدي لأقوم العقائد في معرفة الله بأسمائه وصفاته، ولأقوم الأخلاق من الصدق والحلم والعفة، ولأقوم الأعمال من الصلاة والزكاة والجهاد، ولأقوم السياسات في إقامة العدل وحفظ الأمن وحقوق البشر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
أَقْوَمُ: اسم تفضيل من القيام والاستقامة، والتاء في {الَّتِي} لتأنيث الموصوف المحذوف؛ أي: للملة أو الطريقة أو الحالة أو الخصلة التي هي أقوم؛ أي أشد استقامة وعدلاً ورشاداً.
البشارة: الإخبار بما يسر ويفرح، وسُميت بشارة لأن أثر الفرح يظهر على بشرة الوجه وانبساطه.
{الصَّالِحَاتِ}: مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{أَنَّ}: حرف توكيد ونصب ومصدري.
{لَهُمْ}: جار ومجرور خبر مقدم لـ {أَنَّ}.
{أَجْرًا}: اسم {أَنَّ} مؤخر منصوب بالفتحة.
{كَبِيرًا}: نعت لـ {أَجْرًا} منصوب بالفتحة، والمصدر المؤول من {أَنَّ} ومعموليها في محل نصب بنزع الخافض أو بحرف جر محذوف متعلق بـ {يُبَشِّرُ} (أي: يبشرهم بأن لهم أجراً).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من تاريخ الأمم السابقة إلى النور الخالد: بعد أن ذكر تيه بني إسرائيل وعلوهم وتتبير ملكهم وما أصاب التوراة معهم، أعقب مباشرة بذكر القرآن الكريم؛ ليعلن للعالمين أن الملاذ الآمن الباقي هو هذا الكتاب العظيم المحفوظ من التبديل والتحريف، الذي يرشد الإنسانية التائهة إلى بر الأمان.
حذف موصوف {الَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}: حذف الموصوف لإفادة الإطلاق التام في كل شأن؛ فكل ما تطلبه البشرية من رشد واستقامة وعدل وازدهار مادي وروحي فالقرآن يهدي إليه على أكمل الوجوه.
اقتران الإيمان بالعمل الصالح: قيد البشارة بالمؤمنين الموصوفين بـ {الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ}؛ للتأكيد على أن مجرد الدعوى باللسان أو الأماني الخالية من العمل لا تورث الأجر الكبير.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كفاية القوانين الوضعية والعقول البشرية عن هداية القرآن:
يدعي بعض الفلاسفة والملاحدة أن العقل البشري والقوانين الدستورية قادرة بمفردها على تحقيق العدالة وتنظيم شؤون الإنسان دون حاجة إلى هداية الوحي.
المحاكمة العقلية والواقعية: العقل البشري محدود ببيئته، ومعرض للأهواء والشهوات والعنصرية والنقص؛ وتاريخ البشرية شاهد على تخبط النظم الوضعية وتبدلها وظلم القوي للضعيف؛ بينما هداية القرآن صادرة عن العليم الخبير بنفوس خلقه: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}، فجاءت شريعة القرآن أقوم وأعدل في الموازنة بين مصلحة الفرد والمجتمع، والجسد والروح، والحاضر والمستقبل؛ مما يعجز عنه كل فكر بشري.
اسم الإشارة {هَٰذَا}: الإشارة بالقريب للدلالة على حضور القرآن وظهوره وعظم شأنه بين أيديهم؛ كأنه معجزة قائمة تراها الأعين وتلمسها القلوب.
صيغة التفضيل المطلقة {أَقْوَمُ}: تدل على بلوغ الغاية القصوى في الاستقامة؛ فليس هناك نهج ولا دين ولا قانون يقارب القرآن في استقامته ورشده.
الإشارة والتدبر: القرآن ليس كتاب تلاوة تبركية فحسب، بل هو منهاج حياة ودليل حركة؛ ومن أراد الرشد في فكره وتربيته وأسرته ومجتمعه فليعرض أمره على هذا الوحي الرباني ليدله على التي هي أقوم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تقديم الإسلام والقرآن للناس ببيان عظمتهما التشريعية والأخلاقية وإصلاحهما لواقع الإنسانية المعذبة؛ فالقرآن هو الحل لكل أزمات البشر الفكرية والاجتماعية.
التوجيه التربوي: تدريب الجيل المسلم على تحكيم القرآن في سائر شؤونهم، وجعل معاييره هي الحاكمة على كل ثقافة وفكرة.
الأثر الوجداني: يمتلئ قلب المؤمن ثقة وفخراً بكتاب ربه، ويستشعر عظيم منة الله عليه بأن جعله من أهل القرآن العاملين به الموعودين بالأجر الكبير.