التعقيب الإلهي على قائمة المنهيات وإعلان كراهيتها وبغضها:
يعقب الله جل ثناؤه على تلك المنظومة التشريعية والأخلاقية الرفيعة؛ مبيناً أن جميع ما تقدم ذكره من النواهي الصريحة (الشرك، العقوق، التبذير، البخل، قتل الأولاد، الزنا، قتل النفس المحرمة، أكل مال اليتيم، نقض العهد، التطفيف في الكيل، القول بغير علم، والمشي مرحاً)؛ كل ذلك كان خبيثه وقبيحه مبغوضاً مسخوطاً عند الله لا يرضاه لعباده.
تفسير الطبري (14/ 474)مصدر غير محدد١٤/٤٧٤: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعاصم الجحدري: اختلف القراء في قراءة قوله {سَيِّئُهُ}:
قراءة الجمهور (نافع، أبو عمرو، ابن كثير، ابن عامر، حفص عن عاصم): {سَيِّئُهُ} بالهمزة والرفع والضمير؛ والمعنى: كل ما تقدم من المنهيات والمحرمات كان سيئه وقبيحه عند ربك مكروهاً مبغوضاً لا يحبه.
قراءة حمزة والكسائي وخلف وشعبة عن عاصم: {سَيِّئَةً} بالتاء المربوطة منصوبة على أنه خبر كان، والمعنى: كل ذلك المنهي عنه كان خصلة سيئة عند ربك مكروهة.
تفسير ابن كثير (5/ 53)مصدر غير محدد٥/٥٣: يوضح ابن كثير أن الكراهة هنا هي كراهة التحريم والبغض الإلهي الذي يستوجب العذاب والنكال؛ لأن الله تعالى منزه عن محبة الفواحش والمعاصي، بل يبغضها ويعاقب مقترفيها.
القرطبي (10/ 290)مصدر غير محدد١٠/٢٩٠: يذكر القرطبي أن الآية خاتمة جامعة لبيان قبح المحرمات الذاتي؛ فالشريعة لم تحرم شيئاً إلا لقبحه وضرره في العاجل والآجل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
السَّيِّء: القبيح المنكر الذي يسوء فاعله ورائيه، وهو نقيض الحَسَن.
المَكْرُوه: المبغوض المسخوط الذي لا ترضاه النفس السوية، والمكروه في حكم الله هو المحرم الذي يستحق فاعله الذم والعقاب.
{كُلُّ}: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف.
{ذَٰلِكَ}: اسم إشارة مبني في محل جر مضاف إليه، والإشارة تعود إلى ما تقدم من المنهيات والمحرمات.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
{سَيِّئُهُ}: اسم {كَانَ} مرفوع بالضمة الظاهرة، والهاء ضمير متصل في محل جر مضاف إليه (على قراءة الجمهور بالرفع).
{عِندَ}: ظرف مكان متعلق بـ {مَكْرُوهًا}، وهو مضاف، {رَبِّكَ}: مضاف إليه والكاف مضاف إليه.
{مَكْرُوهًا}: خبر {كَانَ} منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة كان واسمها وخبرها في محل رفع خبر المبتدأ {كُلُّ}.
(وعلى قراءة الكوفيين {سَيِّئَةً}: يكون اسم كان ضميراً مستقراً يعود على كل ذلك، و{سَيِّئَةً} خبر كان، و{مَكْرُوهًا} أو مكروهة نعت لسيئة).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام التلخيص والتقييد: بعد أن استعرضت الآيات أربعة عشر تكليفاً تشريعياً وأخلاقياً جمعت بين الأوامر والنواهي، جاءت هذه الآية لتضع الختم الإلهي على جانب النواهي؛ مبينة أن الحاكمية في التحسين والتقبيح إنما هي لله تبارك وتعالى؛ فما كرهه الله فهو القبيح المردي، وما أحبه فهو الحسن المنجي.
إضافة الرب إلى كاف الخطاب {عِندَ رَبِّكَ}: تشريف لمقام النبي صلى الله عليه وسلم، وتأكيد على أن شريعة الإسلام جاءت موافقة لحكمة رب العالمين ومقاصده في تزكية الخلق.
التمهيد للآية الختامية المبرزة لجوهر الحكمة: تصفية الأفعال القبيحة وبغضها تمهيد للآية (39) التي تصف هذه المنظومة كلها بأنها من "الحكمة" الإلهية الموحاة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لفظ "المكروه" وهل يفيد التنزيه دون التحريم:
يزعم بعض المعاصرين المتفلتين أن لفظ {مَكْرُوهًا} لا يفيد التحريم الجازم، بل الكراهة التنزيهية الخفيفة!
التحرير الأصولي الصارم ودفع الجهل: المكروه في لسان القرآن واصطلاح السلف المتقدمين يراد به الحرام المقطوع بتحريمه الذي يبغضه الله؛ ويدل على ذلك سياق الآيات السابقة؛ فإنها اشتملت على الشرك بالله، وقتل الأولاد، والزنا، وقتل النفس المعصومة، وأكل مال اليتيم؛ فهل يقول عاقل إن الشرك والزنا وقتل النفس مكروه تنزيهاً يجوز فعله؟! بل هو المحرم بأعلى مراتب التحريم؛ وإنما طرأ اصطلاح الكراهة التنزيهية لدى متأخري الفقهاء للتفريق بين رتب النهي، أما في النص القرآني فالمكروه عند الله هو ما يسخطه ويوجب ناره وعقابه.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الشمول بـ {كُلُّ ذَٰلِكَ}: لإحاطة كل المفردات المنهي عنها في عقد واحد لا يشذ منه حكم.
استعمال صيغة الماضي {كَانَ... مَكْرُوهًا}: لبيان أن كراهية هذه الجرائم ثابتة مستقرة في كل الشرائع والحقب الإلهية، ولم تكن حلالاً في دين من الأديان قط.
الإشارة والتدبر: ما أبغض الله شيئاً إلا لحكمة ورحمة بالعباد؛ فالمعاصي سموم تهلك الأرواح وتخرب المجتمعات؛ والمؤمن يكره ما يكرهه ربه وينفر طبعه مما يسخط مولاه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ترسيخ مرجعية الوحي في التحليل والتحريم؛ فالقبيح ما قبحه الشرع، والحسن ما حسنه الشرع، ولا عبرة باستحسان الأهواء الشاذة.
التوجيه التربوي: تنشئة القلوب على بغض المعاصي وكراهيتها ديانة وفطرة؛ حتى تصبح النفرة من الفواحش سجية إيمانية ثابتة.
الأثر الوجداني: يفيض قلب المؤمن تعظيماً لجلال ربه، ومحبة لما يحبه الله ورضاه، وبغضاً لما يكرهه، عاقداً العزم على اجتناب كل ما يسخط ربه ومولاه.